أقبل والتعب قد أعياه وناله من اليأس ما ناله..أقبل وأقبل معه الهم والغمم يسير نحو منزله الذي ليس فيه من الطعام ما يسد رمقه وأبنائه الجياع ؛ إنه أبو علي الشيخ المريض المرهق بالديون .....
دخل في منزله الأشبه بالكهف المظلم ليس فيه سوى صوت الرياح مع الضوء الخافت والمنقطع بين الحين والآخر.وتلك الوجوه البائسة التي استبشرت بحضور أبيها لعله ينتشلهم من الصمت القاتل,وقف الأب وقد أسدل بعينيه أرضاً ؛متلافياً هذه النظرات الحزينة أخذ يخطو تجاه (علي)ذي الأربع والعشرين ربيعاً الذي أستقبل أبيه بابتسامته المضيئة من وجهه المنير بالإيمان وقد جال بناظريه نحو قدمي فلذة كبده متحسراً على شبابه ومتجرعاً الآلام من أجله .
حضر ابنه الصغير أحمد يحمل صورة للعبة التي طالما حلم بأن يقتنيها نظر إليه وهو يدافع عبراته مقبلاً نحو (علي)فبادر (علي)قائلاً: يا أبي لا تبالي بهذا الصغير...,فجثا الأب على ركبتيه أمام (علي)وقال:
إن أحمد وإخوته محتاجين وأنا عاجز عن إعاشتهم ..
(علي):أبي لا تقل هذا..!!
الأب:قل لي ماذا قدمت لهم ؟لم أقدم سوى الحاجة, والجوع, والبؤس,و قلة الحيلة. فمد علي يده الحانية لتلامس لحية أبيه لتستقر عيناهما معاً فتبلورت دمعة موجعة أخذت طريقها على خده المجعد ..
(علي): يا أبي لا تجعل اليأس يسيطر عليك ..إني عهدتك ذاك الرمز للعفة ومثال للصبر.
يا أبي لا تجعل الحاجة تهزمك.
يا أبي نعم إنك لم توفر لنا ما وفره أبي سالم لأبنائه ...لكنك علمتنا الأخلاق والتعفف والعطف و القناعة وعلمتنا معنى الأسرة الواحدة المحبة لبعضها البعض.
يا أبي لقد علمتنا كيف نبر بوالدتنا ونصلي فرضنا ونصل جارنا .
يا أبي إن أعظم نعمة أنعمها الله عليك هي نعمة حفظ كتاب الله الكريم الذي كابدت وعانيت من أجل أن تجعلنا شموعاً في طريق العلم .
ولم تعجزني إعاقتي من أن انهل من هذا الخير الذي والله الأصحاء محرومون منه.ربما الله سبحانه لم يجعلنا من أصحاب الأموال والجاه والسلطان ليمنحنا هذه النعمة الموجبة للشكر.
يا أبي إننا لم نذق في هذه الدنيا طعم الحياة السعيدة ؛لكننا نرجوا الجزاء في الآخرة الذي وعده الله الصابرين-قال تعالى(....وبشر الصابرين).
فأقبل (علي)يقبل يـد أبيه فارتفع الآذان ..رفع علي بناظريه تجاه أبية وهمس
(حيا على الفلاح )