(5)
لتبادل الأحاديث والجلوس في الصحراء بجوار النار وبداخل الغار في الشتاء متعة لا تعادلها متعة، ربما ينبعث ذلك الشعور من عقل الإنسان الباطن الذي ورثه عن أجداده، عندما كانوا يسكنون الكهوف، ويجترون الأحاديث عن بطولاتهم البدائية في صيد الغزلان والوعول، هذا الجو الهادئ استحلب القصص من أذهان رجال حملة الصيد، قال حميد:
- لقد ثوى جمل لي فلم أستطع مساعدته في النهوض، كان سميناً ولكنه برك في سنود(19) وعندما امترغ لم يستطع استعادة وضعه الطبيعي، فكاد يموت اختناقا ولم يكن معي خنجري لتذكية الجمل، فركضت إلى مكان شاهدت فيه قطعاً من الصخور وأخذت حيفا(20) فنحرت الجمل به، فمكنت فيه الذكاة - ولله الحمد - ودعوت أهل القرية ليجزروه ويتقاسموا لحمه وقت كان الجوع يفتك بالناس.
فقال خلف:
- هذا الجمل أراد الله أن ينقذ به الناس من الجوع بلا منة من أحد!! نعم هذه القصص أجمل من قصص قفار وحمى قفار!!
قال ذلك وكأنه يستحث سعداً على مواصلة الأسئلة التي لا تنتهي عن قفار، فبادر سعد إلى السؤال عن قصة هذه القرية المثيرة فقال:
- وماذا حدث بعد أن تم دفن المطوع (عياد) بجوار السور؟
قال خلف:
- حكى لي أحد أهل قفار برواية عن جده أن الناس صاروا يتساقطون الواحد تلو الآخر، كانوا يظنون ذلك بسبب البرد، ولكن البرد يأتي كل عام، فيصيب الناس بالزكام، ويذهب، دون أن يحصد الناس بهذا الشكل المرعب، ولماذا أهل قفار فقط؟ هذا المرض الذي أهلك الحرث والنسل. لقد مل الناس من حفر القبور، لقد كلت كفوفهم ودميت أظافرهم من الحفر، والتهبت أكتافهم من حمل النعوش إلى المقابر وهم يئنون تحت وطأة الحمى وبطونهم متورمة كالقرب، وقواهم خائرة، وقد وهنت عظامهم وصارت سيقانهم كسيقان النمل، هزلت أجسامهم بعد قوة، فأدركوا أن الوباء في الماء، ولكن بعد ماذا.. بعد فوات الأوان وهلاك الناس، لقد هلك أكثر من ثلاثة أرباع القرية ولم يبق بها سوي الأطفال الرضع وجيف الحيوانات، وبعض العبيد وعدد من أهل قفار ربما لأن "الخفافيش" لم تصل إلى آبارهم ولم تنجسها بالسموم (كما صورت لهم الأساطير)، فقاموا برعاية البقية الباقية من أهل قفار الذين لم يفروا مع من فر منها. لقد فر عدد كبير من أهل البلدة إلى بلدان أخرى دون أن يبلغوهم بأنهم من أهل قفار لكي لا يطردوهم خوفاً على بلدانهم وأهليهم من هذا الوباء، لقد أخفى الكثير منهم اسمه خوفا من أن تتبعه (لعنة) الحمى، ونجا بنفسه وأطفاله إن كان له أطفال0 ومن لم يستطع، قام بحفر قبره بنفسه وصار ينتظر يومه فقبره جاهز في بستانه، أو داخل منزله، وإذا قرب أجله اضطجع داخل القبر وترك من به بقية من حياة يهيل عليه التراب وهو يدعو الله أن يغفر لهم جميعاً، والذي ليس لديه أحد، يحاول الارتماء بالقبر فيتدحرج جزء منه ويظل الجزء الآخر خارج القبر. هربت مجموعة من الأسر إلى قرية مجاورة فتبعتهم الحمى وحصدتهم في تلك القرية ولا تزال مقبرتهم هناك بجوار قرية القصر!!
قال لي عبدالله، الذي يروي عن جده هذه القصة، أن رجلاً هو وزوجته، وثلاثة من أطفالهما كانوا في منـزلهم الذي يقبع في طرف المزرعة، وقبل أن يصاب الرجل بالحمى تشاجر مع جاره وأخذ منه ثوره عنوة ليسقي مزرعته عليه، ولما أصيب الأب بالحمى طلب من زوجته أن تهرب هي والأطفال الثلاثة إلى أي مكان لينجوا بأنفسهم، وطلب من زوجته قبل أن ترحل بأطفالها أن تجلب له كمية من الصخور الصغيرة وعدداً من العصي، وعندما أحضرت ما طلبه منها، أمرها أن تأخذ أبناءها وتهرب، ولكنها رفضت، فطلب منها إحضار أطفاله، ولما حضروا أمسك بالعصا بضعف شديد وضرب والدتهم بوهن وضرب كل واحد منهم وهو يقول بحزن (اذهبوا إلى أي مكان) ففر الأطفال وتبعتهم الأم خارج القرية، وفي المساء عادوا فصاح بهم لماذا تعودون…لماذا تعودون.. اذهبوا، فطلبت منه زوجته أن يتركهم إلى الصباح، وفي الصباح سوف يذهبون، فنام الأطفال بجوار أمهم!! وفي الصباح أمرهم أن يأخذوا ما استطاعوا من الطعام ويهربوا، وقال وهو يبكي: (ليتني قادر على أن أفر بكم من هذا المكان ليتني أستطيع). وفي أثناء جداله مع زوجته وأطفاله جاء جاره حين سمع صراخ الأطفال وهو يطردهم ليذهبوا بعيداً عن هذا الوباء، فسأله جاره عن الأمر فقال له: أهرب بأبنائي إلى أي مكان ولك نصف فلاحتي إذا ذهب الوباء تتقاسمها مع أبنائي، بل خذها كلها.. لقد ظلمتك في يوم من الأيام فأنصفك الله مني، استصغرتك فأصغرني الله أمامك كما ترى، أرجو منك أن تسامحني على ما بدر مني تجاهك، وأن تنقذ هؤلاء الأطفال ووالدتهم أبعدهم عن هذه القرية الظالم أهلها، أبعدهم عن هذه القرية المغضوب عليها كانت زوجته تنظر إليه بحسرة وهي تبكي، وهو ينتفض كالطائر الذبيح من شدة الحمى ولم يلبث أن قضى نحبه فدفنه جاره، وعندما عاد وجد الأطفال يبكون. بجوار أمهم والزوجة ترتجف مغمى عليها لا يدري ما بها. فذهب مسرعاً إلى زوجته لتنظر في شأن هذه المرأة التي تموت ولا يبدو عليها أي مظهر من مظاهر الحمى وعندما جاءت زوجته، كانت المرأة قد انقلب لونها إلى اللون الأزرق وفارقت الحياة، ولم يعرف أحد سبب موتها، فدفنوها هي الأخرى إلى جوار زوجها، وعاد الجار بالأطفال فأطعمهم وأعد لهم ولنفسه وأسرته رواحل وطعاماً، وفي الصباح الباكر ركبوا رواحلهم هاربين باتجاه التلال السمر في الجنوب ومروا في طريقهم بقرى يحيط بها جنود جياع لهم شوارب شقراء ضخمة وبشرة بيضاء، وشعر كثيف وعيونهم كعيون طائر البوم المشؤوم فيزداد رعباً وفراراً، لم يسأل نفسه عن آذانهم لماذا هي حمراء هكذا، كل ما يريده هو الفرار من هذا الوباء الذي أكل أهله وعشيرته وقريته، فجعلها خاوية على عروشها، فخرج منها من بقي من الناس كأسراب النمل في أيام الحصاد في كل اتجاه، وبقيت بها الغربان والبوم وجذوع النخل والأثل الذي صار ملاذاً للجن والثعابين التي تنـزلق أحياناً إلى الآبار فتتربص بالفئران والعصافير.
أنهى خلف حكايته، فنهض بعضهم لتجهيز الفرش للنوم، واكتفى بعضهم بإضفاء فروته على بقية جسده ونام بجوار النار، نام الجميع ومضى أكثر من ثلثي الليل، فتعالى عواء ذئب في قمة الجبل المجاور، إلا أنه لم يسمعه أحد، فالجميع نيام، والليل قارس البرودة، والنار قد خمدت ولم يبق سوى وميض خافت تحت الرماد، والريح تصفر وتهب على الأرض الممطورة فتحمل بخار الماء البارد معها وتدعه يحط على أي جسم يقابلها، فيتكثف الندى على الأشجار والفرش والسيارة وصخور الجبل الملساء ومغلبة الذئب(21). مر الليل بسرعة واستيقظ الجميع للصلاة متشوقين للصيد في الصباح، فأوقدوا النار وجهزوا القهوة و"لقدوع"، وقام عويد بعمل خبزة للحنينية، حيث وضع الخبزة في النار وجهز التمر والدهن في القدر، وبعد أن نضجت الخبزة نفض عنها الرماد ودقها بيد النجر على سفرة الطعام الجلدية ثم وضعها في القدر مع التمر والسمن، ثم قربها من النار وصار يحركها بعود من أشجار الأرطى إلى أن امتزج التمر بخبز البر والسمن، فقدمها لهم ساخنة طرية شهية الطعم. كان الجو صافيا وممتعا أثناء تناولهم طعام الإفطار اللذيذ الذي شاركهم فيه ثلاثة رجال كانوا يمتطون ركائبهم في طريقهم إلى ناحية الشرق أناخوها وترجلوا عنها فحيوهم، وقلطوهم على الطعام، وكان أحدهم يحمل على (مردف) ذلولـه صقراً جميلاً مبرقعاً، ويتبعهما سلوقيان نحيلان، بلون الظباء، تنحيا أثناء الإفطار وربضا متجاورين، ومد كل واحد منهما يده إلى الأمام، بينما يده الأخرى ثناها تحت صدره ورفع عنقه وركز نظراته على الجالسين وهو يلعق جوانب فمه الأسحم بطرف لسانه الوردي الرقيق، وجلس الثلاثة بجوار النار يحتسون القهوة بعد أن فرغوا من طعام الإفطار، يتضح من هيأتهم ولبسهم المغاير للبس أصحاب السيارة (القنوص) أنهم من قبيلة أخرى، فعقلهم فوق رؤوسهم مائلة إلى اليمين وإلى الخلف بحيث بدت جباههم وعليها خصلات من شعر رؤوسهم الحالك السواد، بينما عقل أصحاب السيارة تميل على جباههم وتغطي حواجبهم من جهة اليسار، فيختفي معظم الجانب الأيسر من الجبين، وكانوا جميعهم سعداء بذلك اليوم الجميل. ودع الركب أصحاب السيارة، بعد أن أهدوهم أرنبين مذبوحين وطائر حبارى كانوا قد اصطادوهما في طريقهم، وقام أصحاب السيارة بإهدائهم فخذ غزال.
ابتعد أصحاب الركائب الثلاث المدللة بالخروج والأرسان الملونة يتبعهم السلوقيان، ويهتز طائر الصقر المبرقع على ورك المطية، بعد ذلك نهض أصحاب السيارة إلى سيارتهم وحملوا أمتعتهم واتجهوا باكرا إلى الصيد الذي ذكره لهم أصحاب الركائب، وقالوا لهم بأن الصيد أكثر في "الخبة"(22) وقرب "أبرق الشيوخ" و"المحفر"، كانت السيارة تنطلق بسرعة فائقة تنهب الأرض المنبسطة، كالسهم باتجاه الشمال الغربي حيث وصف لهم الطريق ومروا بعدد من بيوت الشعر التي يقف أهلها أمامها ملوحين لهم بأيديهم. يدعونهم لاستضافتهم، الأطفال والرجال ينادون أهل السيارة للقهوة بصوت مرتفع قائلين: (تقهووا) يارجال !! فيجيبونهم برفع أيدهم لهم في الهواء علامة الشكر والتقدير مواصلين مسيرهم باتجاه الصيد الوفير، ولم يلبثوا أن شاهدوا "جمائل" الغزلان تنطلق كل جميلة خلف "العنود" وكأنها تطير في الهواء، ومع ذلك أدركوا بعضها فرموها أرضا والتقطوا أربعا وتبعوا الخامسة، التي تجري على ثلاث قوائم، بعد أن كسرت قائمتها الأمامية اليمنى وصارت تضرب جانبها كلما قفزت في الهواء فتزيد جفالاً وهرباً، فواصلوا مطاردتهم لها إلى أن أردوها قتيلة، وهي تقاوم إلى آخر رمق، تقفز في الهواء ثم تعود تتخبط بدمها المنهمر على الأرض توقفوا بجوارها، وقفز خلف ونزع خنجره وصار يحز به مذبحها وهي تقاوم إلي أن أنهى مهمة التذكية وحملها مع بقية الظباء المرمية في حوض السيارة، وهو يقول:- الله يكفينا شر هذه الغزالة... كفى ما صدناه اليوم ودعونا نبحث لنا عن مكان ننزل فيه نتغدى ونبيت هذه الليلة. اتجهوا إلى مرتفع تعلوه بعض الرمال، وأوقفوا سيارتهم، ووضعوا أمتعتهم على الأرض، وقاموا بجلب الحطب وبعض الصخور لتكون أثافي للقدر، وبدءوا بعمل القهوة وطعام الغداء، بينما بعضهم الآخر يجلب أغصان الأشجار لعمل (عنة) تقيهم برد الليل وهبوب الرياح الشتوية. مر الوقت سريعاً، فتنبهوا إلى وجوب صلاة الظهر والعصر جمعاً فقالوا: (الصلاة بعد الغداء)... ولكن حميد قال:
- لن ينضج الغداء إلا قرب غروب الشمس حيث لا تصح الصلاة، هيا صلوا الآن.
هبت ريح غربية باردة قبل الغروب لعبت بلهب النار وأطراف الأغطية، وحثت التراب على الأشياء، فارتدى كل واحد مالديه من رداء ثقيل، وتحلقوا حول النار متلثمين (يتوحوحون) وبدأت أصابعهم وكأنها تقمع بعصي دقيقة من شدة البرودة
قال عويد:
- أظن أنه من الأفضل أن نهبط إلى أسفل التل فهو أذرى وأكن لنا من هذا المكان المرتفع.
وافقه أكثرهم واعترض الذين لا يحبون الانتقال وحمل الأشياء والعودة إلى ترتيبها من جديد، ولكنهم أذعنوا أخيراً لرأي الأكثرية ولشعورهم بشدة البرد. حملوا أمتعتهم وهبطوا بها إلى أسفل التل وقاموا بترتيبها مرة أخرى، حتى الجمر حملوه بصحن كبير، وغطاء أحد القدور ووضعوا فوقه الحطب وأشعلوا النار في "وجار"(23) أكبر من السابق، وصفوا دلالهم وقدورهم بجوار تلك النار الجاهية وتحلقوا حولها يتسامرون بحبور وهدوء إلى أن حان موعد النوم، فنام كبار السن وبقي الشباب يتابعون الحديث عن صيدهم ومطاردتهم للظباء، ثم نام الجميع ولكن الريح لم تنم أبدا طوال الليل إلى وقت صلاة الفجر حيث استيقظ حميد وهو يهلل ويسبح ويطلب منهم النهوض للصلاة وإعداد قهوة الصباح.
أثناء تناولهم قهوة الصباح، وقبل أن تشرق الشمس قفز خلف لتشغيل السيارة بحماس شديد استعداداً لمطاردة الصيد من جديد، وهو يقول بسعادة غامرة:
- أبشروا اليوم بالشبب(24)، الجو صافي والأرض ممطورة قبل أمس !!
ومع تحمسه صار يدوس على مفتاح الوقود (الأبنص) بشدة، لتسخن السيارة بسرعة، ولكن السيارة توقفت “طفت” فجأة فحاول تشغيلها مرة أخرى... ومرة ثالثة، ولكنها أبت أن تشتغل، فطلب منه سعد أن يتنحى ليقوم بتشغيلها ولكنها لم تشتغل، فأحس الجميع بالخطر وتحلقوا حول السيارة ليبدي كل واحد منهم رأيه في الأمر، قال أحدهم:
- شرّقت(25) السيارة أكيد إنها (شرقت) اصبروا خلوا البنزين يطير من (الكلبليتر)(26)!! قال الآخر:
- لالا... لالا أعطها بنزين أكثر... يمكن أن يكون هناك انسداداً بالمواسير... !!
- أكيد أن (طرمبة)(27) البنزين ما تدفع...
- من يقول إنها ما تدفع.. شم رائحة البنزين تزكم الأنف أعوذ بالله !! من يقول إن البنزين ما يصل؟.
اقترح أحدهم أن يقوموا بدفع السيارة إلى المنحدر وسوف تشتغل فاستحسنوا الفكرة، وقاموا بدفع السيارة باتجاه المنحدر الذي يفضي إلى السهل، وحاولوا أن تشتغل أثناء المنحدر ولكنها لم تشتغل، فقالوا بأن ذلك بسبب النفود، وعندما وصلت إلى السهل دفعوها بكل الاتجاهات ولكنها لم تشتغل فقال حميد:
- لا تتعبوا أنفسكم، السيارة لا يمكن أن تشتغل !!
- ليش... وش السبب؟
- السبب أن ميزانية (الديلكو) اختلفت!!
- أفا... ياذا العلم. اختلفت ميزانية (الديلكو) ليه؟ وش السبب؟
- نعم اختلفت ميزانية (الديلكو)!! لأن (خلف) الله يهديه مشفوح دعس الأبنص والسيارة باردة.
- طيب وكيف يتم وزن (الديلكو) يا جماعة؟
- بسيط... هات مفتاح (البواجي ) يا سعد!!
- هذا المفتاح!!
- طيب افتح (البوجي) رقم واحد.
- هذا (البوجي) رقم واحد.. ولكنه قوي لم استطع فكه!!
فقال مطلق:
- لم تستطع فكه؟... من والله الرفاهية (بالشركة) صارت يديك مثل يدي البنت!! هات المفتاح أوريك! 0أأأ00أأ00 أفا ياذا العلم.
- وش صار؟
- انقطم (البوجي) بجرم المكينة!!
- أفا ياذا العلم.. رقعها.. هالحين!! أشهد بالله أنك الملقوف!! عز الله أنك مقرود - والحل؟
- ما هناك حل.. إلا الإسعاف من حائل !!.
- أويا.. والله قنصة أويا.. والله "طرشة "! ! أويا.. والله قنصة!! لا حول ولا قوة إلا بالله.
- هذي والله العين اللي ما صلت على النبي !!.
بلاكم منكم وفيكم !!!... اقرءوا على السيارة وعلى أنفسكم، إنا لله وإنا إليه راجعون... الله أعلم أن فيكم واحد حسود، وعينه حارة... يا الله سترك.
جلسوا بجوار السيارة وقد وضعوا رؤوسهم بين أكفهم، يفكرون ماذا يفعلون؟. ثم نهضوا وتركوا السيارة عائدين إلى مشب نارهم، وهم يضربون أخماسا بأسداس ، يفكرون بكيفية إسعاف أنفسهم !!.
قال حميد:
- لا تجلسوا كالنساء المترفات تحركوا...
قال خلف:
- وماذا تريدنا أن نفعل... يا رجل؟.
قال حميد:
- (أنت يا محمد وأنت يا فالح اذهبا إلى بيوت الشعر التي مررنا عليها.. واطلبا منهم تعبئة هذه القربة الفارغة بالماء وعودا بها لنا سريعا فالماء يكاد ينفد، أما أنت يا صالح، فتوكل على الله واذهب من هنا إلى الشرق، نحو مورد الماء الذي بجوار ذلك الضلع(28) الصغير البعيد، هل تشاهد قمته؟- (وأشار باتجاه قرية موقق)- لعلك تحصل على (مطية) تستأجرها أو أحد ترافقه إلى قرية (موقق) لتسعفنا أو لعلك تلحق أصحاب الركائب الذين مروا علينا صباح أمس فتركب معهم!! أو تستأجر منهم بعيرا يوصلك إلى تلك القرية لعلك تجد فيها من يستطيع إسعافنا، هيا توكلوا على الله، كل ينطلق في طريقه فليس لدينا ماء وليس لدينا ما يكفي من الطعام، وتأكدوا أثناء ذهابكم من علامات الطريق لتتمكنوا من العودة باتجاهنا انتبهوا ألا (تنجّمون)(29)00 يا محمد وفالح يمكنكما العودة لنا مع أذان العصر، وأنت يا صالح يمكنك أن تصلنا غداً إن شاء الله، إذا تمكنت من الحصول على من يسعفنا في قرية موقق وإذا لم تجد فستصلنا بعد غد بمشيئة الله تعالى.. وفقكم الله).
حمل الاثنان القربة الفارغة وانطلقا بها إلى الاتجاه الذي فيه بيوت الشعر، أما صالح فقد ربط الخنجر بالمحزم الجلدي حول خصره وتنيفذ برفع أطراف ثوبه حتى بدت سيقانه الطويلة، ولف شماغه حول رأسه وهو يسير باتجاه الشرق، وظل بقية الرجال يرقبونه إلى أن اختفى وراء الأفق وهو يسير بخط مستقيم نحو قمة الجبل البعيد الذي أشار إليه حميد. لقد تثاقلت خطوات الزمن في صدورهم كأنه يسير على تلال من الصلصال اللزج.
قال حميد:
- سبحان مغير الأحوال... كيف نحن اليوم وكيف كنا بالأمس؟.
خيم الصمت على الجميع، وسرح حميد نظره في الأفق البعيد، وهو يلف شماغه حول رأسه بهدوء واستسلام للوضع الذي فرضه واقع الحال.
الوقت يزحف كالسلحفاة المريضة ثقيلاً ومملاً، والأشياء بدت جامدة لا تتحرك، كأنها غير التي كانت بالأمس. أصبحت التلال والجبال اليوم ثقيلة على الأرض، لقد أحس هو نفسه بثقلها كأنها تجثم على صدره ولأول مرة يتصور حميد ورفاقه كم هي ثقيلة تلك الجبال البعيدة والتلال الرملية القريبة، صارت كالموت الذي ليس منه مهرب، أحس بغضب شديد تجاه تلك الجبال الجامدة التي لا تقترب ولا تبتعد كأنها منتصبة لتتحداه في هذه الصحراء التي ينقطع النظر فيها !!.
كانت كومة الحديد الحمراء كالجذوة الملتهبة التي تثير حنقه على كل الأشياء المصنوعة من الحديد وغير الحديد، حتى دلال القهوة، والقدور، صارت من ضمن الأصناف المكروهة عند حميد في هذه الصحراء. الصناديق الخشبية المصبوغة بألوان زاهية، تحولت في عينيه إلى أشياء مثيرة للسخرية، وهو يشاهد أثر صالح في خط مستقيم إلى نهاية الأفق البعيد نحو الشرق!!، وخطوات محمد وفالح نحو الغرب باتجاه بيوت الشعر التي مروا عليها مسرعين يوم أمس، ينظرون إلى أهلها بكبرياء ويلوحون للأطفال بكفوفهم بفخر، واليوم الظباء تمرح حولهم آمنة من مطاردة كومة الحديد الحمراء، تتجول في تلك السهول البعيدة، يشاهدها بالمنظار ويبتسم بمرارة، لقد تحول هو وسيارته وأصحابه إلى صيد نادر في كف الصحراء، ها هي جمائل الغزلان تجوب المراعي وتحوم فوقها الطيور الكبيرة، وهو ثاو ينظر إلى الجبال والتلال وكومة الحديد الحمراء اللامعة وينتظر الفرج بصبر مرغم عليه0
قال بضيق:
ربما أن واحدة من هذه الغزلان مسكونة أو (مخاوية)(30) أو متصور بها جني عندما رميناها، ولكننا كلما رمينا ذكرنا الله، لكي لا نصيب متصور(31) منهم !!.
بعد أن فات الموعد المتوقع لعودة محمد وفالح أحس أنهم ربما ضلوا عن طريق العودة، وشعر تجاههم بالقلق الذي لم يدعه يستقر، فجرى إلى قمة التل المجاور وتطلع بالمنظار ولكنه لم يشاهد سوى آثار أقدامهما في ذهابهما التي اختفت عند قمة تل رملي بعيد. تطلع في كل الاتجاهات ولكنه لم يشاهد سوى السراب يتراقص فوق القيعان المنبسطة، تراءت له صورة آدمي من بعيد في المنظار ولكنه لم يشاهده يتحرك، كان يهتز في مكانه، فهب واقفا وأومأ له بشماغه ولكنه يشاهده يبادله الحركة، فنادى خلف قائلاً:
تعال انظر معي إلى ذلك الشيء البعيد، هل هو زول آدمي يا ترى؟.
جاء خلف مسرعا وتطلع بالمنظار ناحية ذلك الشيء الذي يبدو كأنه آدمي من بعيد ولكن خلف قال:
لا أستطيع أن (أقطع عليه)، ولكن صوت لعويد لعله يتمكن من رؤيته جيداً.
فنادى حميد:
يا عويد تعال أسرع...!!.
جاء عويد فقال له:
هل تشاهد ذلك الزول الواقف هناك؟.
قال :
نعم، ولكنني لا أستطيع التأكد منه إلا بالدربيل(32) 00 أعطني الدربيل00 تناول المنظار وأعمل يده في وزن عدساته وقال وهو يبتسم:
- هذه عوشزة(33) - عوسج (بسم الله الرحمن الرحيم)... يتصورون بالعوشز كفانا الله شرهم... بسم الله الرحمن الرحيم...
تناول حميد المنظار وتطلع إلى ذلك الشيء ولم يلبث أن ابتسم وهو يقول:
- نعم صح إنها عوشزة- عوسجة!!، بسم الله الرحمن الرحيم.
أوشكت الشمس على المغيب، فصبغت الأفق الغربي بلون أرجواني مهيب وسرى الخوف على الغائبين، وتأكد للجميع بأنهم ضلوا طريق العودة.
كان محمد وفالح يسيران على مهل أثناء ذهابهما ويتعابثان إلى أن وصلا إلى مكان بيوت الشعر فلم يجدوها ولكنهما وجدا أثر أهلها وقد رحلوا باتجاه الشمال فتبعا آثارهم على أمل أن يلحقا بهم قريبا من منزلهم السابق، ولكنهما لم يتمكنا من أن يلحقا بهم إلا عند غروب الشمس، حيث وجدا في بيت الشعر الأقرب فتاة بارعة الحسن لطيفة الجمال حيتهما وأسقتهما لبناً وأطعمتهما حبات من التمر، وكانا قد أرهقهما الطريق فجلسا يأكلان من التمر ويشربان من اللبن وطلبا منها أن تملأ لهما قربة الماء قبل مغيب الشمس كما طلبا دابة لإيصال قربة الماء لرفاقهما فابتسمت الفتاة وهي تقول:
- وهل تريان لدي دابة يمكنني أن أساعدكما بها؟ ليس لدي شيء سوى أن أملأ لكما هذه القربة بالماء، فتحملانها إلى رفاقكما أو تنتظران والدي ليعينكما بدابة تحملان عليها هذه القربة الخفيفة !!.
فشعرا بالخجل عندما قالت لهما (هذه القربة الخفيفة) وكأنها تسخر منهما، فنهضا وحملا القربة بينهما وعادا من حيث أتيا يتبعان أثرهما في شفق الغروب، وبعد أن (أدمس الدماس) وأظلم الكون، ولمعت النجوم لم يعد باستطاعتهما رؤية أي شئ لم يعد لهما سوى الاعتماد على حدسهما وعلى النجوم في تحديد الاتجاه. سارا وبعد فترة أحسا بالإجهاد، فأنزلا القربة على الأرض واستراحا بعض الوقت، ثم واصلا طريقهما ولكنهما شعرا بأن الطريق طال بعد اجتيازهما لموقع مراح بيوت الشعر فاتجها إلى مرتفع رملي عن يمينهما ليتطلعا في النجوم، لأنهما أحسا بأنهما ضيعا طريقهما. صار كل واحد منهما ينظر في السماء وفي جميع الاتجاهات ولكنهما لم يهتديا إلى جهة معينة، فقررا البقاء في مكانهما إلى الصباح، وعندما جلس محمد على الأرض من شدة الإعياء والإحباط الذي هدم الحيوية وبنى الخواء العميق في نفسه... صاح فالح قائلا :
محمد... انظر.. انظر إلى هناك... انظر إليهم، إنهم يشعلون لنا النار ويقذفون بـ (المشاهيب)(34) في الهواء ويشعلون النار هناك أيضاً !!!.
فنهض محمد ونظر في الاتجاه الذي يشير إليه رفيقه فالح، وإذا به يشاهد (المشاهيب) وهي تقذف في الهواء فقال مسروراً بهذا المنظر:
- لقد اجتزناهم وابتعدنا عنهم قليلاً... هيا فلنحمل القربة ونتجه إليهم.
فحملا القربة واتجها بها نحو النار المشتعلة في قمة التل وهما يركضان بنشاط وحيوية بعثتها في أرواحهما السعادة لمعرفتهما مكان أصحابهما0
كانت المسافة التي تفصلهما عنهم تحتاج إلى أكثر من نصف الساعة إذا كان سيرهما حثيثا وإلى ساعة إذا كان سيرهما جيداً. بعد مضي ما يقرب من ثلث الساعة خفتت الأنوار واختفت المشاهيب، ولكنهما واصلا سيرهما وهما يتوجسان خيفة من الطريق المظلم، وتوقعهما أنهما أضاعا الاتجاه مرة أخرى، فقاما بالغناء بصوت مرتفع لعل أصواتهما تصل لأصحابهما، ولكن بلا فائدة، فاقترح محمد على فالح أن يشعل ناراً لعل أصحابهما يهتدون إليهما فأيده فالح على فكرته ولكنهما تذكرا أن ليس لديهما كبريت لإشعال النار، فقررا البحث عن حجر من الصوان (الصلبوخ) أو (المرو) أثناء سيرهما لكي يشعلا بها النار، ووجدا حصاة صلبة وبحثا عن أخرى ولم يلبثا أن وجداها، وجمعا كمية من الحطب الجاف، وقش لحاء شجرة عاذر متيبسة، وقاما بضرب الصخرتين ببعضهما فتطاير الشرر هنا وهناك بسبب الريح فالتصق الاثنان واستدبرا الريح، وصارا يقدحان الصخرتين ببعضهما ويقربان (الضرمة) من الشرر المتطاير وأخيرا اشتعل اللحاء الجاف وقرباه من أغصان الشجرة الجافة، فاشتعلت النار وصارا يقذفان ببعضها في الهواء فتهوي كالشهب على الأرض، وإذا بأصحابهما يرمون لهما النار في الهواء من جديد ثم توقفا بعد ذلك، وواصلا مسيرهما بنفس الاتجاه.
ولكن محمدا ضاق ذرعا بأصحابه الذين تركوا إشعال النار وهو لا يعلم السبب المخيف الذي جعلهم ينسون إشعال النار باستمرار ويتركونه يضيع في ظلمة الصحراء المرعبة. لقد حدث شيء مؤلم ومؤسف لعويد أثناء جمعه للحطب في الليل لإشعال النار لهم، كان الليل حالك الظلمة وعويد يحتطب بهمة ونشاط يمسك بجذوع الأشجار اليابسة ويجتثها بقوة ليواصلوا إشعال النار ولكنه سمع وشيشاً أقشعر له بدنه وهو ممسك بجذع أحد الأشجار لم يلبث أن صرخ بصوت مرتفع وهو يقول:
- آآآه قرصت... قرصت... لدغتني حية مع إبهام يدي آآآي....
قال ذلك وهو ممسك بإبهام يده اليسرى وظل يجري باتجاه النار، وعندما وصل إليهم شاهدوا مكان أنياب الحية على إبهام يده فربطوها بقوة، ووضع خلف خنجره في النار إلى أن حمي وأمسك بإبهام عويد وبترها بسرعة مذهلة، وأعاد الخنجر مرة ثانية إلى النار إلى أن حمي من جديد وكوى موضع البتر لتطهير الجرح ثم ربطها بقطعة من القماش، بعد أن ذر عليها قليلاً من مسحوق القرنفل ورماد الرمث لتجفيف الجرح بسرعة.
وبعد أن اطمأنوا على (عويد) وأنه تجاوز مرحلة الخطر من سم الأفعى القاتلة، ذهبوا للبحث عنها في تلك الشجرة فوجدوها وقد التفت حول جذع الشجرة تلمع عيناها على ضوء الشعلة التي يحملونها ويمتد لسانها في الهواء وتجذبه من جديد ثم تعود لتطلقه في الهواء وعيناها تلمعان بشكل مفزع، ضرب حميد رأسها بعصا كانت معه فتفلتت من الجذع الذي تطوت عليه ثم انزلقت إلى الأرض، فدس العصا تحت بطن الحية وجذبها بعيداً عن الشجرة ثم حملها بعصاه وهي تتدلى فوقه يضرب رأسها بذيلها الدقيق، وعندما اقترب قذف بها في النار الجاهية، ففاحت رائحة الشواء منها ووضعوا أيديهم على أنوفهم وتولوا بوجوههم، وحين نضجت أخرجها خلف بالمحراث قائلاً:
- خذ يا عويد كل من الحية لكي لا يضرك سمها !!.
قال ذلك وهو يقطع منها ويأكل ويمد جزءاً منها لعويد الذي ابتعد متقززاً من الحية، ومن خلف الذي يلوك لحم الحية بأسنان حادة كأسنان الذئب الجائع، وهو ينظر بعينين تستفسران عن وقع ذلك على الحاضرين.
قال حميد:
- خلاص راح الشر يا خلف، اترك عويد الحمد لله ماله شر.. من يوم مر كل هذا الوقت ولم تتورم يده فإنه شفي ولله الحمد.. طاب... خلاص لا تعطيه من الحية شيئاً أبداً....
قال عويد ساخراً:
- أنا أفر من منظر الحية وهي من بعيد فكيف تريدني أن أدخلها في بطني الله يهديك ياخلف!!.
لهذا السبب توقف إشعالهم للنار وقذف المشاهيب في الهواء، ولكنهم عندما شاهدوا النار يقذف بها محمد وفالح، عادوا فتذكروا وصاروا يشعلون النار لهما من جديد ليهتديا إليهم. ولما شاهد محمد وفالح ضوء النار اتجها نحوها وهما يحثان السير بهمة من اهتدى إلى الطريق، وقرب من الهدف وأثناء السير رفع محمد عقيرته بالغناء:
عدي على الرجم يا رجـلي * * * اليوم للرجم محتاجي
00000000000000 00000000000000
ياليل ما تنجلي عجـل * * * انجلى عن الصبح ينـباجي
00000000000000 00000000000000
ويرد عليه فالح بنفس الكلمات الهجينية وبصوت مرتفع فيه فرح وبشارة أصحابهما بقدومهما نحوهم ومعهم قربة الماء.
استبشر الجميع وزال عنهم جزء من الهم الذي كان يسيطر عليهم تجاه محمد وفالح ولكنهم لازالوا يحملون هم صالح الذي لا يعلمون عن مصيره أي شيء، وليس من المتوقع أن يحضر هذه الليلة وربما حتى الليلة القادمة، هذا إذا وصل بالسلامة، ولم يهلكه العطش أو مخاطر الطريق من الوحوش والثعابين أو الجن.
وصل محمد وفالح إلى أصحابهما، فتعانق الجميع وحمدوا الله على السلامة فشربوا بمقدار، وعمل لهما قهوة وطعام عشاء ثم رقدوا ليلتهم، وفي الصباح اتجهت أفئدتهم وعيونهم إلى الناحية التي يتوقعون عودة صالح منها، ولكن أول النهار ذهب وتبعه وسطه وقاربت الشمس من ملامسة الأفق الغربي ببطيء ممل، ثم هوت في بحر من الشفق الأرجواني المتوهج الذي صبغ الأفق لونه الرائع، ولم يلبث الأفق الغربي أن اكتسى بالعتمة ولمعت النجوم من الناحية الشرقية، وفي وسط السماء تكاثرت النجوم، بعد أن أظلم الكون أوقدوا النيران على المرتفع المقابل لهم، وصاروا يجلبون له الحطب الذي قاموا بجمعه أثناء النهار، إلا أنهم أيقنوا بأنه لن يعود هذه الليلة فباتوا على أمل عودته في الصباح.
بعد صلاة الفجر مباشرة، حمل حميد بندقيته ومنظاره -(دربيله)- واتجه إلى ناحية الشمال الغربي حيث شاهد بالمنظار يوم أمس جميلة من الظباء ترتع في فيضة قرب التلال الرملية البعيدة التي تحد الأفق الشمالي فقرر أن يقنصها هذا الصباح الباكر راجلا، لعله يستريح من هموم الانتظار لعودة صالح، ويستعيد أسلوبه في الصيد، قبل زمن السيارات التي لا تظهر براعة (القناص) ومقدرته على مخاتلة الصيد.
سار مدة تقرب من ساعة، قطع خلالها مسافة بعيدة، اقترب من المكان الذي يتوقع وجود (جميلة) الصيد فيه وشاهد آثارها على الأرض، ووجد أبوالها رطبة ودمنها لا يزال طرياً فأدرك أنها قريبة منه، فسار مدلبحاً(35) ممسكاً بندقيته بكلتا يديه وخافضاً رأسه ماداً ذقنه إلى الأمام ليتمكن من مشاهدة جميلة الصيد قبل أن تتذير منه فتفر كالطيور، وعندها لن يتمكن من صيدها أو حتى الاستمتاع بمشاهدتها عن قرب وهي راتعة. أطل من خلال أغصان إرطأة تشرف على الفيضة(36) التي أمامه فشاهد أربعة من الظباء ترتع بعيداً وتحفر بأظلافها جذور (الرخاما)(37) التي تستمتع بأكلها وتفضلها على بقية الأعشاب البارزة. تمدد بجسده على الأرض وصار يزحف على بطنه بهدوء وسكينة لكي لا يجفل الصيد منه إلى أن اقترب من عدوة عدامة(38) كبيرة تشرف على كل الفيضة، وتمكنه من مشاهدة الجميلة كاملة بعنودها القائدة. أجل تلك هي العنود المتميزة عن بقية القطيع بعنقها الدقيق الطويل، وحركتها السريعة، الحذرة والتفاتاتها المتتالية والسريعة، تنهب أكلها بسرعة وتحرس القطيع بحيوية ونشاط، مما جعل القطيع (الجميلة) توليها ثقتها، وتمنحها مقاليد القيادة. أراد أن يستعيد ويستمتع بطريقته القديمة في الصيد، فرفع قدمه وضرب بها وهو لازال متمدداً على الأرض، فرفعت عنود الصيد عنقها وحركت ذيلها الأسود و(عفطت)(39) مصدرة صوتاً من أنفها، وخبطت على الأرض برجلها، فانتبه القطيع بكامله وتحفز للهرب. ولكنها، عادت إلى الرعي من جديد وبقيت أعناق عدد من القطيع مرفوعة ومتوجسة، ثم عادت إلى الرعي مثل بقية الجميلة، فأحس هو برغبة في الاقتراب أكثر للتمتع بمنظر عيون الغزلان ورشاقتها في الأكل والحركة، فتحفز للاقتراب ولكن المنظار اصطدم بعنق البندقية فصدر عن ذلك صوت تنبهت له عنود الصيد (فعفطت) بعنف وضربت الأرض برجلها بقوة وحركت ذيلها وقفزت في الهواء وانطلقت هاربة فتبعتها الجميلة بكاملها مثيرة غبار الأرض واستعد لاطلاق بندقيته منتظراً أن تتوقف العنود كعادتها- تعيد- للتأكد من أن القطيع قد تبعها وأنها لم تكن متوهمة في تحذيرها، ولكنها لم تتوقف إلا بعد مسافة بعيدة لا تتمكن بندقيته من الوصول إليها ومع ذلك صوبها إلى أحد الغزلان، وأطلق طلقته الأولى على تلك الجميلة التي فرت من جديد ولم يسقط منها شيء.، فنهض واقفا وأمسك منظاره بين يديه، يتابع الجميلة الفارة وهي تتبع عنودها المنطلقة كالسهم إلى التلال الرملية البعيدة بسرعة مذهلة. ابتسم وهو ينظر إليها من خلال (الدربيل) الألماني الذي رافقه منذ بداية تعلقه بالصيد، ثم التفت بالمنظار ناحية أصحابه فشاهدهم يتحركون يميناً وشمالاً يذهبون إلى ناحية السيارة ويعودون، فوضع منظاره في جرابه الجلدي واتجه عائداً إلى أصحابه بهمة ونشاط، دفعه إليه توقعه أن صالحاً قد وصل مع من يمكنه إصلاح سيارتهم وتحريكها من مكانها الذي ثوت فيه كالبعير الواهن.