الصفحة الرئيسية إصدارات النادي أخبار النادي لجان النادي مجلة رؤى للمشاركة في مجلة رؤى لنشر ابداعاتك ومقالات
 
خريطة الموقع
الثلاثاء 7 سبتمبر 2010م



الفعاليات
إصدارات النادي
حمى قفار
الفصل الثاني عشر


(12)
خرج سعد والآنسة (لولا) من مكتب السيد هاري، وهما يتحدثان بسرور عن لقائهما الأول في مقعد الطائرة بالصدفة، وهاهما يلتقيان للمرة الثانية بالصدفة ضحكا معا وهما يجتازان الممر الذي يخرج من مكتب السيد هاري، ويشق الحديقة الصغيرة المزروعة بالنجيل الأخضر، وبعض الأشجار ذات الأزهار الملونة.
كان سعد يسير إلى جانبها وعيناه شاخصتان باتجاهها، ينظر بكل مشاعره إلى عينيها وشعرها المنسدل على ظهرها كذيل فرس عربية تعبث به الريح، بدت له الشوارع أكثر اتساعاً، والبنايات أكثر ارتفاعاً وجمالاً، والسماء أكثر صفاء، أحس كأنه يستطيع استنشاق الهواء من الأفق إلى الأفق، تسائل في داخل نفسه عن هذه السعادة التي غمرته بسرعة عجيبة ، فخطرت له صورة صديقته القديمة، وقارنها بصورة لولا الماثلة أمامه، فتبين له الفرق الكبير بين التاريخين (الصورتين)، كالفرق بين فرس (البوني)، والفرس العربية الأصيلة، ولكن ما الحيلة للفكاك من ذلك (البوني) الذي قلب حياته، شعر بقلق وضيق عندما داهمه سؤال لم يستطع معرفة جوابه وهل لولا لها تاريخ؟ وهل ستقبل به؟ لا يدري، كل ما يعرفه الآن هو أن ذلك الإحساس الذي اعتراه نحوها في الطائرة عاد إليه من جديد، بل هذه المرة تحول إلى شعور لا يمكن له أن يسميه بشيء سوى الهيام بها !!، لقد أحب هذه الفتاة من أول نظرة في الطائرة، ولكنها في محطة الوصول فرت منه كما يفر الطائر من بين يدي طفل صغير لم يستطع الإمساك به، وهاهو يعود له من جديد، فخاف أن يفر منه مرة ثانية، أراد أن يصارحها بمشاعره، ولكنه تلعثم خشية أن تنفر منه فلم يتأكد بعد من شعورها نحوه، ثم عاد إليه التفكير بتاريخه الذي صار يؤلمه ذكره حتى في الخيال.
ذهب مع الآنسة لولا إلى الجامعة لحضور المحاضرات، ثم افترقا، واتفقا على اللقاء في اليوم التالي.
اتجه نحو مسكنه وقلبه يخفق بحب لولا، وينبض بغصة تكاد تخنقه تجاه تلك التي عميت عيناه عن عيوبها، وتقاطيع جسمها الأقرب إلى (البوني) منها إلى أي مخلوق آخر، استغرب كيف أن مجرد مرورها بخياله صار ينغص عليه حياته، وعندما وصل إلى مسكنه وخلع ثيابه، رن هاتفه وإذا بها تعوي في أذنه كقطة مريضة، تتحدث بوهن كما لو كانت قد استيقظت لتوها من النوم قالت له ببرود:
- أين كنت يا حبيبي؟، لقد هاتفتك أكثر من مرة ولم تجب، أين كنت؟. قال بملل:
- انني تعب جداً سوف أقوم بالاتصال بك عندما تتحسن صحتي !!.
قالت:
- صحتك ما بها؟ ما الذي أصابك؟ سوف أحضر إليك حالاً، لأطمئن عليك!!.
قال:
- لا، لا.. لا لزوم لذلك.. سوف أنام الآن، وبعد أن أستيقظ سوف أتصل بك يا... !!.
قاطعته قائلة:
- لا، لا.. سوف أحضر إليك لأطمئن عليك، هيا أنا قادمة حالاً !!.
ودون أن تنتظر الجواب أغلقت السماعة، وجلس وقد وضع رأسه بين كفيه يفكر في كيفية التخلص من هذا (التاريخ الممل).
غير ملابسه وجلس يستعد لمراجعة المحاضرة التي تلقاها اليوم، ولم يلبث أن طرق الباب فخفق قلبه، لأنه يعرف أنها هي التي تطرق الباب فنهض متثاقلاً ليفتح لها، وإذا بها صاحبة المنزل تحمل له طعاماً وتضعه على المائدة وهي تقول:
- لقد أفسدت مستقبلك يابني، ولكنني أراك تفتح كتبك اليوم على غير عادتك هذا شيء طيب، لعلك قررت تغيير سلوكك؟ !!.
قال وهو يتصفح الكتاب الذي بين يديه:
- نعم.. لقد ولى زمن اللعب، وحان وقت العمل والدراسة بجد.
وأثناء حديثه مع صاحبة المنزل طرق الباب، ودون أن يقوم بفتحه دخلت صاحبته وهي تضحك وتتغنج وتقول بصوت مرتفع:
- أين أنت، وما الذي أصابك يا حبيبي !!.
حدجته صاحبة المنزل بنظرة عتاب وتأنيب، وهي تقول أثناء انصرافها:
- لا فائدة منك يا سعد.. للأسف... لا فائدة منك، آسفة أن أبلغك بأننا سوف نعتذر للجامعة عن بقائك معنا في هذا المنزل !!.
قفز من مكانه في محاولة لإفهامها، ولكنها أغلقت الباب خلفها بعنف وتركته مع تاريخه الممل، فعاد ليصب جام غضبه على الفتاة، ويطلب منها مغادرة غرفته حالاً، حاولت أن تتفاهم معه فصاح في وجهها:
- اغربي عن وجهي، لا أريد رؤيتك، هيا اخرجي من هنا.
فتح الباب ودفعها إلى الخارج فقالت:
- سوف تدفع ثمن ذلك غالياً أيها الوقح!!.
خرجت ولم تعد، ومضت ثلاثة أسابيع لم يسمع صوتها ولم يشاهد وجهها فسره غيابها، وفرح بفراقها ليبقي قلبه وعقله مشغولاً بلولا وحدها، وذات ليلة من ليال نهاية الأسبوع، عاد متأخراً بعد سهرة ممتعة مع أصحابه، أوقف سيارته بجوار المنزل الذي يسكن فيه وعندما فتح الباب شاهد اثنين من الزنوج يتجهان نحوه ويمسكان به، ويأمرانه أن يمنحهما ما بداخل محفظته من نقود، وأن يخلع ساعته بدون مقاومة، وحسب ما لديه من تعليمات في مثل هذه المواقف الفجائية فإنه يجب عليه عدم مقاومتهما، بالإضافة إلى أنه لا يمكن له ذلك لضخامتهما، لذلك نفذ أوامرهما بكل دقة، ومع ذلك لم يسلم من لكمة على وجهه، وركلة من الآخر على قفاه نقلته إلى آخر الرصيف، فتكوم بجوار عتبات مدخل المنزل الذي يقيم فيه فنهض متثاقلا، ودخل المنزل، وخلع ملابسه مستعدا للنوم، ولم يلبث أن رن جرس الهاتف، فتردد في رفع السماعة، ولكنه اقدم بتردد على رفعها ليأتيه صوت تاريخه القديم (البوني) كأنه العواء:
- كيف حالك؟ هل أنت على ما يرام؟.
أغلق السماعة، ونزع سلك الهاتف، وذهب إلى باب الغرفة ليتأكد من أنه أغلقه جيداً لينام وهو مطمئن.
اندس في فراشه، وهو يفكر هل تلك الحقيرة التي سلطت عليه أولئك اللصوص المجرمين؟ فكر كيف ينتقم منهم؟ وأخيراً صرف النظر عن التفكير في هذا الأمر نهائياً، وقرر الانتقال من هذا المسكن، إلى مسكن بعيد عن هذه المنطقة ليتمكن من الابتعاد عن الشر، وعن كل الأجواء التي كان يعيشها فيما مضى، وقرر أنه في نهاية الشهر سوف ينفذ ذلك، أبلغ الأسرة التي يقيم معها بعزمه على ترك المنزل فابتهجوا بذلك وشكروه على استجابته لطلبهم.
انتقل إلى منزل صغير نظيف في منطقة راقية قريبة من الجامعة التي يدرس فيها وابتعد عن كل ما يشغله عن دراسته، واستمرت علاقته بلولا في الجامعة، واقتصر لقاؤهما على عطلة نهاية الأسبوع في أحد المقاهي الصغيرة لفترة وجيزة، ثم يعود إلى منزلـه ويواصل تحصيله الدراسي بجد، فقد أصابته لولا بعدوى التفوق والمثابرة، ونال شهادته الجامعية مع مرتبة الشرف، بمثل مستوى لولا التي كان قد اتفق معها على الزواج بعد نهاية الدراسة الجامعية، بعد حصوله على الشهادة الجامعية، رتب أموره على أن تتم مراسم الزواج في أسبانيا بعد أن يلتقي بأهل لولا، غادر الولايات المتحدة إلى إسبانيا برفقة لولا والتقى بأهلها وتمت مراسم الزواج، أمضى شهر العسل بين مدن أسبانيا الجميلة وعلى سواحل مدينة ماربيا الأخاذة، وزار قصر أشبيليه بعقوده وأعمدته الجميلة، وكذلك زار جامع قرطبه فبهر بنقوشه الرائعة ولكنه لم يشعر بأي إحساس مختلف عن بقية الذين يدخلون ويخرجون من مكان جميل، زار حلبة لمصارعة الثيران فصفق مع لولا إلى أن التهبت كفوفهما من شدة الحماسة، عاد بها بعد مضي شهر العسل إلى بلاده، حيث عين في إحدى الإدارات في أرامكو بالظهران، وصار يتجول في إدارات المناطق الثلاث ليكون فكرة عن الإدارات الكثيرة في شركة الزيت، وأخيراً استقربه المقام بمدينة الظهران في الإدارة العامة، وسكن مع كبار الموظفين داخل الشبك.
صار في صباح كل يوم من أيام العطلة الأسبوعية، يأخذ أدوات لعبة (القولف) ويتجه بها إلى الميدان الأخضر المعد لهذه اللعبة في الناحية الجنوبية من الشبك ويلعب إلى أن يتعب أو يحين موعد تناول الطعام، ثم يعود، بينما زوجته تذهب إلى مقر الترفيه حيث يجتمع عدد من النساء مع أطفالهن للتسلية والسباحة، مرت الأعوام بسرعة رزق سعد بولد وبنت، ثم امتنع عن الإنجاب، لقد تحول سعد مع مر السنين إلى شخص آخر في تعامله الاجتماعي، وفي مسلكه الوظيفي، لم يعد يتكلم اللغة العربية، مع أي أحد من موظفيه، أو معارفه الذين يحاولون التقرب إليه بعد أن تم تعيينه في وظيفته الكبيرة، كان يتحدث معهم باللغة الإنجليزية، وكأنه لا يعرفهم من قبل، صاروا عنده مثل أي أناس لا تربطه بهم أية رابطة سوى رابطة العمل، اعتاد على أن يحتفي بالمناسبات التي تقام في محيطه مع كبار الموظفين داخل شبك الشركة، ويقضي إجازته في الخارج مع زوجته وأهلها في أسبانيا، وابنه الذي أطلق عليه اسم يوسف، بينما زوجته تسميه (جوزيف)، أما ابنته فقد أطلق عليها اسم سارة، وتناديها والدتها دائماً بـ (سارا).
فى أحد إجازاته السنوية، وقف ذات يوم أمام قصر الحمراء في أشبيليه وضحك، فسأله ابنه عن سبب ضحكته تلك أمام هذا القصر الرائع البناء، فقال:
- لقد تذكرت خرائب مدينة من مدن نجد تسمى قفار، وقارنتها بهذا القصر المنيف وتساءلت عن سبب نزوح أهل هذا القصر، هل هو بسبب الحمى كذلك؟ وهل سممت أبدان أهل هذا القصر أم سممت أفكارهم، أم سممت آبارهم، مثلما سممت آبار بلدة قفار؟.
قال الابن:
- ماذا تقصد بقفار؟
قال:
- قرية في وسط الصحراء، رحل أهلها عنها، وتفرقوا في البلدان بعد أن داهمهم وباء الحمى الغامض.
هز الابن رأسه، ومط شفته، وهو يقول: قد تكون حرباً جرثومية قديمة.
ابتسم الأب وهو يقول:
- ربما!!.
نسي الجميع الموضوع حتى بعد عودتهم من الإجازة، لم يحاول أحد أن يتذكر حمى قفار، ولا بلدة قفار، ولم يسأل الابن والده عنها ولا أين تقع، ولكنه ألح بالسؤال عن أصدقائه أولاد السيد مايك، وهل سوف يقضون إجازتهم في الظهران في كل عام بعد تقاعد والدهم؟.
قال له والده:
- ربما!!.
تقاعد السيد مايك منذ فترة، وعهد إليه بالإدارة من بعده، وبقي سعد وفياً له منفذاً لرغباته التي أملاها عليه، رغم عدم وجوده في العمل، وأما الرغبات التي لم يملها عليه فإنه يجتهد في تحقيقها قدر استطاعته- وفي نفس الاتجاه- ولا يخشى في ذلك لومة لائم، لاعتقاده بوجوب ذلك عليه اعترافاً بالجميل الذي أسداه له.
قالوا لعمه (حميد) الذي كبر وصار يهذي بكلام غير مفهوم في بعض الأحيان بسبب الكبر إلا أنه لازال يعيش في قريته، ويمارس الزراعة في مزرعته الصغيرة.
قالوا له في أحد الأيام وهو يحرث الأرض:
- بأن ابن أخيك قد ترقى في منصبه في الشركة، وأنه قد بلغ أرفع المناصب، وصار من الرجال الذين يشار إليهم بالبنان، نريدك أن تتوسط لنا عنده (صار ابن أخيك وينك وين يا عم حميد) !!.
قال لهم بكل هدوء دون أن يتوقف عن حرث الأرض:
سوف يتوسطون لكم عنده!! أما أنا فإنني مشغول بزرع الأرض، وغرس النخل لعله يثمر ثمراً مفيداً، أفضل من الزرع الذي زرعته في الماضي، ولكنه للأسف لم يثمر كما كنت أتوقع !!.
قال ذلك وهو مستمر في حرث الأرض، فنظر كل واحد منهم إلى الآخر باستغراب، وتوقفوا عن بقية الحديث.

نشر بتاريخ 05-02-2007  


أضف تقييمك

التقييم: 2.46/10 (198 صوت)


 



مسابقة إبداع

للمزيد أنقر على الصورة


أعداد رؤى

العدد السادس عشر

أنقر على الصورة لتكبيرها

العدد الخامس عشر

أنقر على الصورة لتكبيرها

العدد الرابع عشر

أنقر على الصورة لتكبيرها


بريد الأعضاء

اسم المستخدم

الرقم السري


Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.adabihail.com - All rights reserved


لجان النادي | أخبار النادي | إصداراتنا | رؤى | الرئيسية