ما هي الحرية ؟
سؤال طالما علق بالشفاه .. وتطلعت لإجابته العيون .. وأصبح مدار بحث ودروس طوال قرون استهلك خلالها الملايين من الأبحاث والدراسات الاجتماعية .. والسياسية والاقتصادية .. والسلوكية للفرد والمجتمع .
وكانت الإجابات المتفاوتة تأتي في صورة الاستفهام الذي لا يصل إلى قرار محدد .
فهل الحرية هي حرية الفرد .. وسلوكياته .. وتصرفاته فيما يخصه؟
أم هي حرية المجتمع في ممارساته الحياتية وما فيها من تناقضات ؟
أم هي حرية الفساد .. والضياع .. وفقدان الثقة بالنفس وبالآخرين ؟
أم هي حرية التاجر في أن يستغل ويحتكر ؟
أم هي حرية الرأي وما يصاحبه من دعوات هدامة ومبادئ تخريبية ؟
هل الحرية انعتاق من كل الروابط الاجتماعية والاقتصادية والدينية والأسرية ليعيش الإنسان لنفسه فقط ؟
أم الحرية انعتاق المجتمعات من تلك الأطر الإنسانية التي تجعل الأمة وحدة متماسكة .. كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى ؟
مئات الأسئلة تصب في هذه الروافد المتعددة الاتجاهات دون أن تكون هناك إجابة محددة .
فما هي الحرية ؟ ومن هم الذين يطلبون الحرية ؟
بعض الأفراد يصر على أنه حر يفعل ما يشاء .
والبعض يطلب التحرر من الأنظمة ومن الحكومات .
والبعض يطلب التحرر من استغلال صاحب المال .
والبعض يطلب التحرر من الخوف .
والبعض يطلب التحرر من الجوع .
والبعض يطلب التحرر من التقاليد والعادات .
والبعض يطلب التحرر من القيود الدينية .
لكن هل يتحقق لكل منهم ما يريد ؟
لو تحقق لهم كل ما يطلبون لفسدت المجتمعات وانهارت وتحول الناس فيها إلى قطعان من البهائم .
لماذا ؟
لأن البلاد التي نادت بالحرية واتخذتها شعارا لها لم تستطع أن تمنح الحرية لكل الناس بالشكل الذي يريدون .. لأن في ذلك خرق لقوانين الطبيعة وللقوانين السماوية .. وللقوانين الوضعية .
فالإنسان في الولايات المتحدة مثلا حر مقيد .
حر في أن ينام على الرصيف لكنه ليس حرا في أن يكسر ذلك الرصيف .. والإنسان في انجلترا حر في ألا يعمل .. لكنه ليس حرا في الامتناع عن دفع الضرائب .
والإنسان في أوروبا حر في أن يتصرف في سلوكه وملبسه ومأكله بما يشاء لكنه ليس حرا في أن يأخذ أموال الغير .. أو أن يؤذي الآخرين .
هذه لمحات عن الحرية التي ينادي بها بعض الناس .. لكنها لم تتحقق ولم تحقق للإنسان ذلك التحرر وذلك الانعتاق البوهيمي الخارق للقوانين .
فما هي الحرية إذاً ؟
* * *
الحرية هي التي كفلها الإسلام للأمة الإسلامية جماعات وأفراد .
فالإسلام حرر الإنسان من رق العبودية .
والإسلام حرر الإنسان من رق إدمان المخدرات .
والإسلام حرر الإنسان من رق الربا والمرابين .
والإسلام حرر الإنسان من رق السخرة والإجبار .
كما أنه أي الإسلام حرر المرأة المسلمة مما كانت تعانيه في الجاهلية من التوارث كقطع الأثاث .
وحرر الإنسان من عبودية الأوثان .. كما حرره من الخوف من الشياطين والجن والأرواح الشريرة .. وحرره من الجهل .. عندما دعاه إلى المعرفة .. وحرره من الجوع عندما دعاه إلى العمل .. وحرره من المرض عندما حثه على التماس العلاج .
وتعالوا نستقرئ صفحات مشرقة من هدي الإسلام الذي كفل حرية الفرد والمجتمع في أطر محددة تستهدف صالح الفرد والمجتمع .. وإذاً قوله تعالى :
"أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ. وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ" ( سورة الجاثـية الآيات 21 ، 22 ) .
هذا هو التوجيه الرباني .
حرية محكمة بتكليف .. والتكليف نابع من الإيمان .
كيف ؟
يفسر ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم :
( أن قوما ركبوا في سفينة فعمد رجل منهم إلى فاس وأخذ يضرب به في مكانه .. فلما سألوه قال : هو مكاني فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا .. وإن تركوه وشأنه هلك وهلكوا ) أو بما معناه .
إذاً الحرية الشخصية ليست تلك الفوضوية .. ولا تلك الأنانية .. بل هي المشاركة الفعلية للآخرين .. والحرص على مصالحهم .. وعدم الأضرار بهم .
لكن متى تتحقق هذه الحرية ؟
تتحقق هذه الحرية عندما يشعر الفرد بأنه مكلف .. أما إذا تحرر من قيود التكليف فإذا سقط التكليف الذي هو الإيمان فالإنسان يعمل ما يريد دون رادع ضمير .. أو خوف من الله .
قال صلى الله عليه وسلم :
" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن "
إذاً الحرية الفاسدة المفسدة تبدأ بالتحلل من الإيمان فإذا انطفأت شمعة الإيمان في النفس البشرية انتزع الحياء وهو شعبة من الإيمان .. لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
أي أنت حر سقط عنك التكليف لأنك فقدت الإيمان بزوال تلك الشعبة وهي ( الحياء ) .
إذاً فالمسلم حر مقيد .
تبدأ معه القيود منذ كونه نطفة في بطن أمه حيث تحتويه ظلمات ثلاث لا يملك تجاهها أية قدرة إلا قدرة الإرادة الإلهية التي حددت حركته واضطرابه في بطن أمه بأربعة أشهر وعشرة أيام .
وعندما يولد يظل مقيدا في السرير .. لا يستطيع المشي أو الحركة قبل أن يأخذ دورته من النمو .
وإذا كبر أراد أن يتعلم فهو لا يستطيع أن يتعلم خارج نطاق الحدود التي وضعتها المناهج والكتب المقررة .. وكل اجتهاد خارج ذلك النطاق يعتبر اجتهاد فردي لا يتقيد به المجتمع .
وعندما يقود سيارته يجد العديد من اللوحات تقول له : ممنوع .. ممنوع .. فإذا تجاوز هذه الممنوعات وقع في الخطأ وتسبب لنفسه في الإحراج ونال الجزاء.. الذي تحدده الأنظمة .
وعندما يعمل .. موظفا أو تاجرا أو عاملا فإن لكل فرع من هذه الفروع أنظمة وقوانين تحاسبه بما له وما عليه .
ثم يجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحرية السامية الراقية عن مرامي الهوى في بيان السلوك الإنساني أثناء ممارسته لتلك الحرية بقوله :
" الحلال بيّن .. والحرام بيّن ، وبينهما أمور مشتبهات فمن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام " .
خطان متوازيان .. حلال ، وحرام .. لكن بين الحرام مسارات دقيقة ذات جاذبية وإغراء .
فالإنسان حر في ممارسته الفردية والاجتماعية قبل أن يقع في تلك المسارات التي تقوده إلى الوقوع في الخطأ .
هذه حرية الإسلام .. تكليف ، وتوظيف .
تكليف للفرد بأن يبتعد عن كل مسلك يجلب له الضرر .. أو يضر بالآخرين ..
وتوظيف لتلك الحرية لأن تكون عامل بناء للمجتمع المسلم المتكامل .. المتكافل .. العامل على إرتقاء بالإنسان إلى الدرجة التي وضعه الله فيها .
" لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ" (سورة التين الآية 4) .
هذا هو المبدأ العام في تكريم الإنسان .
" ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ" (سورة التين الآية 5) .
إذا هو انحرف عن الطريق السوي .. وأخذ يمارس حياته كممارسة الحيوانات العجماء .
"إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ" (سورة التين الآية 6) .
نعم أولئك الذين التزموا الإيمان الذي قادهم إلى العمل الصالح .. ارتفعوا عن تلك السفلية لينالوا أجرا مجزيا من الله ليس فيه منّ ولا أذى .. تلك هي الحرية التي منحها الله لعباده المؤمنين .
حرية تعطي الإنسان الكرامة .. وتحقق له الإنسانية .. لكنها حرية مقيدة بتلك التبعات السامية التي تجعل الإنسان في أحسن تقويم مرتفعة به عن كل ما يشين أو يحط من كرامته .. أو يهين إنسانيته .
من هم أولئك الذين ردوا إلى أسفل السافلين ؟
هم : من إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أئتمن خان .. ومنهم أولئك الذين يأكلون الربا أضعافا مضاعفة .
وكثيرة هذه الشرائح التي خرجت من دائرة الحرية .. باسم الحرية .. وتحت شعاراتها الزائفة المبنية على السفسطائية .. والغوغائية .. والجدل العقيم .
* * *
إذاً هل الحرية تعني الإنفلات من كل القيود الدينية والاجتماعية والقانونية؟ أم أنها تقف عند نقط معينة .. لا يستطيع الإنسان تجاوزها ؟ فما الحرية ؟ وما حدودها ؟
يجيب على هذا التساؤل الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حيث يقول :
أن الحرية في تعريفها البسيط لا تعني أكثر من القدرة على التحرك ضمن أبعاد واتجاهات شتى ولما كان التحرك في وقت واحد في هذه الاتجاهات غير ممكن كان لابد من اللجوء إلى الاختيار .. والاختيار لا يمكن أن يقوم إلا على أساس تصور سابق وهدف مرسوم ..
ومن هنا ينبثق معنى الوظيفة وضرورة الانضباط بهدف ونظام في حياة الإنسان ويقول أيضاً :
أن الحرية التي يتمتع بها الإنسان لا تقصيه عن الانضباط بمعنى الوظيفة في حياته العضوية والاجتماعية .. بل تجعله يركن إليها عن طواعيه واختيار وإذاً فما مفهوم الحرية في الإسلام ؟
إن الحرية هي الاستمساك .. أو التمسك بالضوابط الأخلاقية التي وضعها الإسلام للمجتمع من خلال أخلاقية السلوك ، والانتماء والمسئولية الفردية ، وإقامة العدل .
وبهذا تكون الحرية مطلبا حضاريا إنسانيا في إطار إسلامي يجمع بين الروح والمادة ، والعقل والقلب والوحي . وهي حرية قائمة على الوسطية لأن هذه الوسطية قادرة على الحفاظ على ثوابتها وحماية وجودها . وإقامة مشروع الإنسان المسلم على المسئولية الفردية والالتزام الأخلاقي.
لكن ما حدود الحرية ؟
يقول المفكرون القدماء : حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين .. وهذا قول لا ينطبق مع الواقع .. لأن الأفراد ما هم إلا أعضاء في مجتمعات متفاعلة ومترابطة بشكل أو بآخر لأن كل فرد قليل بنفسه كثير بإخوانه من ناحية .. ولأن الفرد مهما كانت قدراته لا يستطيع أن يكون فاعلاً ومؤثراً دون مشاركة الآخرين وتعاطفهم .
ومن هذا المنطلق يمكن أن نضع الحرية في ثلاثة مستويات :
المستوى الأول :
هو المستوى اللغوي .. والعادي والمتعارف عليه ، والذي يعني انعدام القمعية أو الزجرية فالحرية هنا تعني الصفة التي تعطي لبعض الأفعال البشرية التي يقوم بها الإنسان بدون ضغط أو إكراه وعن سابق تصميم وتصور وقصد ومن هذا المنطلق يصبح الكلام عن الحرية مرتبطا بشبكة معقدة من المفاهيم مثل : المسئولية ، القدرة على اتخاذ القرار والإرادة والقدرة على التنفيذ .
أما المستوى الثاني :
فهو ما يقع ضمن نطاق التفكير الأخلاقي فالحرية في هذا المستوى لا تعود مجرد صفة تميز بعض الأفعال عن غيرها .. بل ترتفع إلى مستوى الواجبات ، والحقوق ، والقيم .. إنها ذلك الشيء الذي يجب أن يكون ولم يتحقق بعد .
أما المستوى الثالث للحرية فهو :
المستوى الفلسفي الخاص حيث يطرح السؤال التالي : كيف ينبغي أن يكون تكوين الواقع في كليته حيث يصبح من الممكن أن يشمل على شيء ما يشبه الحرية .
والحرية في كل هذه المستويات تظل مترابطة ومتكاملة بالرغم من أن اهتمامنا ينبغي أن يتركز أساسا حول المستوى الثاني الذي يرفض وجود الحرية بالمطلق فشريعة الإسلام ترى أن كل الناس قد ولدوا أحراراً.. وأن هذه الحرية مطلقة للإنسان في كل مجالاتها وسائر نواحيها مالم تتناقض مع حقوق الآخرين.. أو تتعارض مع قواعد الحق . فإذا جاوزت هذه الأمور فإنها تكون إثما يستحق المؤاخذة ويستوجب العقاب .
فالإسلام بحق هو النظام الذي تتحقق فيه حرية الإنسان في إطار قوي يجعل حقه ينتهي عند حق غيره على أساس من المساواة بين الناس جميعاً.. وذلك سلوك ينفرد به الدين عما سواه من النظم البشرية والمذاهب الاجتماعية الوضعية.
لذلك فالحرية في نظر الإسلام ترتبط وتتلازم مع المساواة في توازن وشمول وتوافق واتساق بحيث تستحيل الحرية صورة كاملة وصادقة للسلوك الإنساني .. تجعل من الإنسان سيداً كريما يأخذ امتداده بخصائصه الذاتية على أوسع مدى مقيدا فقط بضوابط الخلق التي تجعل منه طاقة موجهة للخير العام حتى في أخص مطالبه ومنافعه الذاتية .
أما الركن الثاني للحرية فهو العدل الذي يتخذ من المساواة أساساً لوجوده وركيزة لمظاهره لأن المساواة تجعل من العدل حقيقة ثابتة وقضية راسخة ومؤكدة داخل النفس البشرية وخارجها .. وفيما بين الأفراد والجماعات من علاقات وصلات وارتباط العدل بالمساواة يجعله أمرا عاما شاملا لكل أشكال السلوك الإنساني الذي يتعامل الناس من خلاله .
ولعل سائلا يقول : كيف نوازن أو نوافق بين هذه المساواة وبين التفاضل الذي سخر الله من خلاله بعض الناس لبعض وفضل بعضهم على بعض ؟
فأقول وبالله التوفيق :
لقد خلق الله العباد متفاوتين في القدرات والصفات والاستعدادات النفسية والجسمية حيث لا يتشاكل أو يتماثل اثنان في كل الصفات والقدرات والمواهب .. فهناك فرق بين الجاهل والمتعلم وبين القوي الجسم والضعيف ، والنشط الدؤوب والخامل والكسول .. لذلك فلابد أن يكون بعض الناس أفضل من بعض .. هكذا خلقهم الله فاختلفت مراتبهم " نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ " (سورة الزخرف الآية 32) ، " انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً" (سورة الإسراء الآية 21).
فالتفاضل في الإسلام طبيعة إنسانية تستلزمها مسيرة البشرية ليستقيم أمر الوجود ولترسيخ هذا التفاضل وقبوله لابد من إقرار مبدأ تكافؤ الفرص لأن التفاضل هنا ليس تفاضلا طبقيا .. ولكنه تفاضل في طبائع الأفراد ومنهج سلوكهم .. ونظام معيشتهم ولذلك فلابد من الاعتراف بهذا التفاضل إذا تحقق مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة والعدل بين الناس .
ومن هذا نخلص أن للحرية حدوداً يجب الوقوف عندها وعدم تخطيها ومتطلبات لابد من توفرها .. وإتاحتها بشكل مباشر وسهل .. فستكون الحرية ذات مفهوم يتسامى مع الرسالة السماوية التي حملها الأنبياء لهداية البشر .. وأخذهم إلى المنهج القويم الذي أراده لهم الخالق سبحانه وتعالى . ومن هنا يتضح أن الحرية هي الأساس لبناء الحضارة الإنسانية .. فما هي الحضارة ؟ .