(14) واجب كل حكومة العناية بمراقبة الأغذية والأدوية
الصحة أجل النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، إذ بها يطيب العيش ويهنأ البال،فالصحة لا يوازيها مال ولا يقوم مقامها عز ولا جاه، لأنها الأصل الذي تتفرع عنه الأعمال، قال بعض الحكماء: (الزم الصحة يلزمك العمل) وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت أهنأ من العافية) وهي إحدى النعمتين الحقيقيتين على الإنسان فالصحة أثمن من الثروة، فإن الرجل يجود بثروته ليمتلك صحته لأنه لا يستغني بالثروة عن الصحة فالحياة بدون صحة عبء ثقيل.
ومطالب الصحة: أولاً المحافظة على الأغذية وحمايتها من الفساد ومراقبتها من الباعة والدكاكين والمدارس والأسواق، وثانياً انتظام العادات والرياضة اليومية والنظافة والاعتدال في المأكل والمشرب، فمن حافظ على هذه المطالب حفظ صحته من الاعتلال وجسمه من الأسقام، قال الشاعر:
لذة العيش صحة واعتدال فإذا ولّيا من المرء ولّى
من أجل هذا فإنه كثيراً ما تنشط الأمم والحكومات في المحافظة على صحة الناس ومقاومة جراثيم الأوبئة والأمراض العامة في منابتها، والقضاء عليها في مهدها، قبل أن يستفحل شرها ويعظم مصابها.
ولا شك أن الأغذية الملوثة والأطعمة الفاسدة أكبر مربى للجراثيم، وأعظم مصدر للأمراض التي قد تشيع حتى تصير وباءً فتاكاً، وأكثر ما يكون ذلك حين تترك الأغذية مكشوفة عند ذوي الوجبات السريعة وفي المطاعم أو المقاصف، أو تمكث مدة تتعفن، منها بسبب حرارة الجو، والبائعون عنها غافلون أو متغافلون لكسب المال، وقد يسقط عليها الغبار الذي تجلبه الرياح أو حين يقف الذباب عليها وجراثيم الوباء عالقة به، فإن الذباب حشرة قذرة تتجمع على الأوساخ وتتزاحم على الأقذار والقمامات، وإن بعض الباعة لا يهمهم تعفنها أو حتى قتلها للبشر بقدر ما يهمه الحصول على ثمنها.. وكذلك قد تقدم الأغذية حتى المحفوظة في علبها وصناديقها فتتعفن وتفسد ويتولد فيها كثير من الجراثيم والديدان، أو ينشأ بها أنواع من السموم الضارة، وبخاصة في مثل البلدان الحارة والقرى، فإذا ما تناول الناس أو الأطفال هذه الأطعمة المكشوفة وهي ملوثة أو تلك الأغذية المحفوظة وهي فاسدة أو الأدوية المنتهية مدة فعاليتها: انتشرت جراثيمها في أجسادهم، وسرت سمومها في أبدانهم، وقد تنقل عدواها إلى غيرهم، وهنا يكون الوباء وتكون الطامة.
وإن من واجبات الحكومة أن تحافظ على سلامة الأهلين، وأن تسد مساقط الشر وتحول دون وقوع الكوارث، وإن الأمل من المسئولين وأفراد المواطنين أن يتعاونوا مع حكومتهم -في كل بلد وبقعة أرض- فيواصلوا حملات التفتيش -أو على الأقل- اليقظة والتنبه للأغذية المصروفة والمباعة وأن تسارع إلى مصادرة التالف الفاسد منها، كما يحسن أن نراهم يُمْلون على الباعة في دكاكينهم ولكل من يمتهن ذلك: الشروط الصحية الواجبة ويلزمونهم إتباع الوسائل في النظافة والوقاية فيها وأن يحتموا عليهم حمايتها من الغبار والذباب بوضعها في صناديق مقفلة أو تحت قطع من النسيج مطهرة، وكذلك المراقبة بشدة للأدوية منتهية الصلاحية -قد حدث كثير من الخطأ والضرر في مثل ذلك من مستشفيات ومستوصفات وصيدليات حكومية خاصة، وإننا قد شاهدنا -في البلدان الأخرى- إغلاق دكاكين وسخة، وإحراق أغذية فاسدة وتشميع مؤسسات صحية مخالفة وضربت على أيدي الباعة الجوالين القذرين، وعسى التجار والبائعون من كل نوع أن يتقوا الله في مواطنيهم، فلا يقدموا لهم إلا الطعام الطيب والشراب الطهور.
وليت الجمهور يزداد وعيه، ويتخير التجار فيقبل على جيدهم ويعرض عن رديئهم، وينقد البضائع فيرضى طيبها وينفي زائفها، وبذلك يعاون الحكومة والمسئولين ي أداء واجبهم الضخم، فلا يقع أحد في الشر ولا يصاب إنسان بسوء ولا مكروه.
ونحن نؤمن بأن التغذية والصحة مترابطان ترابطاً وثيقاً، وأن نمو الأطفال وتكوينهم الطبيعي، وقوة الكبار وقدراتهم الإنتاجية تعتمد إلى حد كبير على ما يأكلون.
ولنقرأ ونستمع إلى هذه العبارات بين أحد الباشوات الغني وبين أجير فقير عنده، قال الفقير: (أنا وأنت يا باشا سواء: أنا فقير لأني مصاب في جيبي، وأنت فقير لأنك مصاب في معدتك.. فأنا أشتهي ولا أجد، وأنت تجد ولا تشتهي، ولكن حرماني مؤقت، وحرمانك مؤبد، ونقصي يسده الرضاً، ونقصك يزيده السخط، وجيبي يرتقه الرفاء بقرش، ومعدتك البالية لا يجددها الطبيب بمليون، وأؤكد لك يا سيدي أنني إن أصبت شبع بطني بأي لون من ألوان الطعام بدا عليّ من دلائل الراحة والسعادة ما وصفت لك، أما أنت فإنك إذا جرت على معدتك المترفة بالشبع: قضيت وقت هضمه العسر الطويل وأنت فاقد الشعور بالدنيا لشدة ما تلقى من حزة الحموضة وثقل الطعام وضيق النفس وضربان القلب، وأنت في الكثير الغالب مفئود ممعود أو مكبود أو ممرور، أو مصاب بالملح أو السكر، فلابد لك من الجرعات المختلفة التي تنيم الألم أو تكافح الداء، أو تؤخر الخطر، وقد ينتهي بك الأمر في الزمن القريب أو البعيد إلى الإمساك عن الطعام إلا بما يمسك الرمق.
ومصداق هذه الحكاية بين الفقير والباشا الغني الممعود صح المثل القائل، أو الذي أقوله: (الفقير يحتاج طعاماً لمعدته، والغني يحتاج معدة لطعامه).
(15) الجهل مبادئ الأمراض الاجتماعية كلها
إذا كان المجتمع كالجسم له أمراضه التي تضنيه وتفريه وقد تودي به وترديه.. فإن شر هذه الأمراض ذلك الثالوث الخطر الذي تعانيه أكثر الأمم وتجاهده كل الحكومات وهو: "الفقر والجهل والمرض" فهي، دون مراء، أقسى أمراض الاجتماع وألد أعداء الشعوب، وهي أعصى الجراثيم الاجتماعية التي جرت في دم الإنسانية منذ فجر التاريخ إلى اليوم، تتألم لها وتعجز عن مقاومتها، أما أعراض هذه الأمراض فلا حصر لها، فهي التدهور كله، والخيبة جميعها، بل الموت الأدبي بكل صوره وشتى معانيه، وإذا كانت الأمم الغربية -رغم أن مبادئها اشتراكية- قد وفقت إلى حد كبير في علاجها وتخفيف ويلاتها، فإنه لا تزال الأمم الأخرى كالشرق تحيا في مستنقع اجتماعي تعيث فيه جراثيمه ويكاد يفتك بها هذا الثالوث الخطر الوبيل.
ولا شك أن كثيراً من هذه الدول لا تزال في درجة الخطورة من حمّى هذه الأمراض التي تستفحل وتزمن كلما قدمت، وتتضاعف أعراضها كلما نمت الحياة وأعرضت شئونها، فلا يزال جل هذه الشعوب يكاد يعصب الجهل عينيها، ويحطم المرض يديها ورجليها، ويسلبها الفقر قوتها ومنعتها، حتى أسلمتها هذه الثلاثة الأمراض إلى ذلك الوضع المهين والمكانة الذليلة الحقيرة، بين أمم الأرض، لا تستطيع النهوض، بل تعجز أن تحبو، في زمن تكاد الأمم الأخرى فيه تهرول وتعدو وتطير، وإنك لترى بعض هذه الشعوب جائعة هزيلة مستعمرة مهينة لا تعلو طبقاتها الفقيرة عن مستوى الحيوان إلا قليلاً، وإن زيارة لإحدى قرى بعض هذه البلدان لتفتت الأكباد الرقيقة.. وأظن، كثيراً منا قد شاهد ويشاهد ما يعرض من لقطات تلفازية من هذه المشاهد المبكية التي تقطع نياب القلوب الشفيقة، لما عليه أهلها من انحطاط وتأخر فلا يزال أكثرهم أميين مرضى محطمين، يدبون على الأرض حفاة، ويعمل بعضهم في الحقول عراة لا يكاد يفرقهم عن حيوانهم معنى كبير.
وقد نشطت كثير من الحكومات -وفي مقدمتها حكومتنا الموقرة- لمقاومة هذه الأمراض الفتاكة، وتهوين خطبها، وأخذت تكافحها من أطرافها وتعد ما استطاعت لمحاربتها بعد ماض طويل اتسع فيه الخُرق على الراقع، فهي تبذل منتهى الجهد، ولكنها لا تفيد كل النفع، لأن حدة هذه الأدواء كثيراً ما تتغلّب كل علاج ودواء، ومن هنا لا تكاد تحس في هذا الشأن جهداً مثمراً أو عملاً منتجاً، وإننا لنلحظ أن كثيراً من الجهد في محاربة المرض يذهب جفاء ويضيع هباء، فكثيراً ما أنهك الأطباء قواهم وبذلت الحكومة أموالها في علاج مرضى علل استعصى علاجها وتنقّلت إليهم المستشفيات في قراهم وهِجَرهم وعطفت كل العطف عليهم، ثم إذا هم شُفُوا وخرجوا رموا بأنفسهم إلى التهلكة والعدوى من جديد فضاع كل ما بُذل من جهد وما أُنفق من مال، لأنهم جهلة لا يعلمون أو عُمي لا يبصرون ، لذلك نستطيع أن ندرك أنه لا خير في علاج للفقر والمرض ومادام الجهل ضارباً خيامه وأروقته، وأن كل الجهود التي تبذل لشعب جاهل سوف يضيعها هو بنفسه لجهله، مما يجعلنا نعتقد أن الجهل هو المباءة التي تُفْرِخ فيها كل الأمراض الاجتماعية، وأنه المستنقع الذي تتوالد فيه جراثيم الاجتماع كلها.
فمن الخير إذن أن يُبذل الجهد في محاربته قبل أن يحارب مرض أو فقر، حتى يكون الإصلاح بعد ذلك على أساس سليم رصين، ولا شك أن المريض المتعلم يستطيع أن يستجيب لكل نداء وأن يفيد من كل علاج، ويعرف كيف يحرص عليه حين يظفر به، كما أن الفقير المتعلم كذلك يستطيع أيضاً أن يفيد كل توجيه يقدم إليه، أو مدد يعان به، بل ربما كان العلم نفسه هو دواء الفقر والمرض، فالعلم نور يكشف لصاحبه الطريق إلى كل نجاح وكسب، ويتقي به كل فقر ومرض.
وإن العلم ليفر على البلاد نصف جهدها ومالها في محاربة الفقر والمرض، ثم هو الذي يثمّر الجهد الموجه على إنقاذ المنكوبين وهداية الضالين.
(16) الحدائق والمنتزهات رئة البلاد
لا ريب أن حكومات الأمم الناهضة تعنى كل العناية بالإكثار من المنتزهات في العواصم والمدن الكبرى، وهي تنفق في هذا عن سعة، وترصد المال الجم لهذه الغاية الرفيعة، ولا شك أنك حين تجوب اليوم حاضرة من حواضر الأقطار أو مدينة من المدن الضخمة المتقدمة ستروعك المنتزهات منثورة بها موزعة على أنحائها، وقد إفتنّ بستانيّوها في تنسيقها، ولعبت يدهم الصنّاع في تجميلها، فاخضلّ زرعها وتمايلت أغصانها، وضحكت الأزهار في أحواضها فعطرت الجو بشذاها، وملأت الأنوف بأريجها، ولهذا كانت المنتزهات في المدن حلية لها وجمالاً فيها، إذ تحسّن منظرها وتزين صفحتها، وتخفف من جفاء المنظر بها، حيث البيوت القائمة وألوان المنازل الباهتة، ولا شك أن المنتزهات والحدائق تلطف من حرارة الجو حين يشتد لظى الحر وترمي الشمس بجمراتها في الأفق، فتهوّن الحدائق بظلالها ورطوبتها بعض هذا القيظ، وبخاصة جو بعض بلدان مملكتنا الذي تكاد تشعله الشمس ناراً في بعض أسابيع الصيف، وكلنا يعلم تأثير الخضرة في تنقية الهواء الكدر في المدن كثيرة الصخب والمصانع والمواقد والغبار والأتربة التي تفسد الهواء وتسيء إلى صحة الأهلين إن لم تساعد على تنقيته أشجار المنتزهات والحدائق.. ولا عجب بعد هذه كله أن يعتبر المنتزه الكبير في المدينة رئة لها، تتنفس وتصلح هواءها به، ولولاه لفسد جوها واختنق أهلها.. والمنتزهات من وراء ذلك كله -ملجأ الملهوفين والمكروبين- تسرّي عنهم بعض همومهم وحزنهم بما فيها من أشجار يانعة وأزهار رائعة ومياه جارية وطيور شادية مما يذهب الحزن وينسي النفس ما تعانيه من ألم وضيق، ولذلك ترى من رواد المنتزهات - في المدن الراقية- رجالاً كباراً يفزعون إليها ويرمون بأنفسهم بين أحضانها ساعات عديدة ينهضون بعدها منشرحين مطمئنين وكأنها غسلت نفوسهم وجلت صدأ همومهم، وإذا كان للرجال مأرب في المنتزهات فهي للأطفال جنتهم الحافلة ومرباهم الرائع، حيث يمرحون بها ويرتعون، ويجرون في طرقاتها اللينة، ويستبقون، وفوق أغصانها وحشائشها الناعمة تراهم وقد اتخذوا من اكلأ بساطاً، ومن الأطيار وتغريدها شغلاً شاغلاً.. يتتبعونها حول الأشجار ووسط أحواض الزهر.. حتى إذا تعبوا لجئوا إلى نجائر الحديقة وكراسيها يستريحون عليها.. فتراهم يقضون سحابة النهار في تلك الرياضة وهذا النشاط، وهم في كل ذلك يستنشقون أنقى هواء ويستقبلون أشعة الشمس على خير وجه، مما يجعل طفولتهم سعيدة، ويبني أجسامهم خير بناء. وينمي أذواقهم أرقى نماء، فالحق أن المنتزه معرض كامل للجمال.. ولا غرو بعد هذا أن تكون الحدائق والمنتزهات وكثرتها والعناية بها دليل رقي البلاد وتحضر أهلها، فلن يحفل بها إلا الأمة الممدنة الراقية، ولن يقدرها حق قدرها إلا الحكومات الراقية المثقفة.
ولهذا كله يجب أن تنشط حكومة بلادنا ومسئولوها -من بلديات وغيرها- وتنتهز الفرصة في كل خلاء ومرفق وسط المدن وضواحيها وقراها -فتنشئ المنتزهات والحدائق وتفتن في تنسيقها وتجميلها وتنوع الأزهار والأشجار بها، كما تدبّر للجمهور راحته بها، فتمد الأنابيب المرشحة إليها، وتعدّ كثيراً من المقاعد والنجائر فيها، ليتفيأ الناس عليها ظلال الأشجار، وينشقوا عبير الأزهار، كما يجب أن يساعد الحكومة في ذلك الأغنياء المقتدرون من المواطنين، فليس من أهل البلد إلا من يمت إليهم بنسب أو تربطه بهم رحم ماسة، فهم أحق بمعروف أغنيائهم وأجدرهم بإحسانهم ومروءتهم في مثل وجود هذه المرافق الحيوية الاجتماعية.
(17) العلاقات الإنسانية وَوَهَنُها في عالم اليوم
في اعتقادي أن كثيراً من الناس نسوا العلاقات الإنسانية أو انسلخوا منها، وأجزم أن الكثيرين منهم -أيضاً- لهم نفوس تموج بأسباب الفضائل لكنها لا تُحْكمها ولا تضبطها، وما كان التواد الصحيح بين الناس إلا عملاً من أعمال الإرادة، غايته إيجاد الغرائز العليا في الإنسان بالأسلوب الذي لا تخلق الغرائز العملية إلا به، وعلى النحو الذي لا تصلح الحياة إلا عليه، واظهر آثار هذه العلاقات وأوثقها هو تحديدها وتنسيقها والملاءمة بينها فإذا كلّت ووهنت وانبنت على تبادل المصالح -لا غير- فإنها كيفما كانت تجعل طرق الناس متداخلة متعادية، فيقطع بعضها على بعض، وأنت إذا بحثت عن الوحدة التي تحاول ضم الإنسانية المتنافرة وردها على مرجع واحد لم تجدها في غير هذه العلاقات الإنسانية، وهذا قائم في كل وحدة إنسانية، أدناها البيت والأسرة ثم المجتمع والأمة فالدوائر الحكومية وهذه تحتل الحيز الأعظم من هذا في موظفيها ومواجهتهم للجمهور، فهي -العلاقات- أبداً تقابل في كل نفس ما تطغى به الحياة على أهلها -إذا صدقت- إلا أن تحذف الزيادات الضارة بالإنسان من بيئته: كالرياء والمحاباة (والإغضاء على وغر في الصدر مكنون) أو الهدنة على دخن، والذي يسوء أكثر أن عالم اليوم قد انبنت علاقات أهله أو قامت على المصلحة واللهث وراء المادة وما يوصل إليها، وبالغ الناس في السعي وراءها وأسرفوا على أنفسهم في الكد لطلبها بأخلاق وشيم ليس لأكثرها موضع في الإنسان ولا يتسع عمره القصير لها، ومن المؤكد أنه كلما قويت هذه الحالة ضعفت العلاقات والروابط الإنسانية.. وأعتقد أن هذا من كلب الحيوانية في الإنسان بل هو تطور فاسد في أخلاقه التاريخية حتى أخذت تلك الحيوانات العاقلة تُملي تاريخ الأرض في الأرض غير مهذب ولا منقح، بل أصواتاً تتعاوى، والحقيقة تصيح من أفواه الآباء والأجداد القدامى ومن الحكماء وخدّام الإنسانية قائلة: إن ذلك جهل وطمع وتسفّل، ومن أجل هذا صارت الإنسانية لا تتقدم خطوة إلا وقعت زمناً تلهث وتستروح مما بها، لكثرة ما تحمل من المتناقضات، وقد صدق ما يقال: بأن الناس الآن عبيد أهوائهم ومصالحهم، وأينما يكون محلك من هذا الهوى وهذه المصلحة فهناك محل اللفظة التي أنت خليق بها لديهم.. وهناك يتلقاك ما أنت أهله أو ما يريدون أن تكون أهله، فالعلاقات الإنسانية حرم أمني، فإذا توترت فالحواس كلها زائفة متراجعة مقلوبة، وهذا هو نظامها ونسقها مع العلاقات، فلا سخرية ولا ضلالة ولا عبث ولا خداع إلا في أسلوبنا الإنساني المبني على حواسنا الزائفة بسبب علاقاتنا المثلّمة كما تنود السفينة إذا خفت على موج البحر، وما عبث البحر بها ولكن يبعث بها وزنها، والإنسان إنما خلق اجتماعياً بالطبع، فهو بشخصه لا قيمة له، ولا منفعة إلا بحيث يكون شخصه جزءاً من المجموع، وكل خلل في هذا النظام الاجتماعي، فإنما مرده إلى طغيان بعض الأفراد وجنوحهم، وفي الإنسان خاصية لولاها لما توفرت رغبة في عمل ولا صح نشاط في الرغبة ولا توجه عزم على النشاط، ولا توثقت عقدة على عزم، غير أن فيه كذلك ما يفسد هذه الخاصية أو يضعفها أو يعطلها ويجعلها تضل ولا تهدى، فما هذه الخاصية يا ترى؟ إنها الأخلاق التي تقوم وتنبني عليها العلاقات والروابط البناءة لينقلب بها الشخص إنساناً صحيحاً لم تزوّره الدنيا، ولو أراد الله بهؤلاء المزوّرين على الحياة خيراً لوضع في أبصارهم أشعة تنبعث في طيات القلوب فتعرف ألوان العواطف وتميزها لوناً من لون، ولكن لحكمة منه جل وعلا جعل الوجه غطاء على معاني القلب حتى ليختبئ الإنسان عن الإنسان وهو مكشوف لعينه، وإذا أوجد الخير والشر صريحين فقد أوجد الإنسان ثالثهما، فكثير من الناس يكون فيه آلة واحدة للصدق وهي القلب، وآلتين للكذب: هما وجهه ولسانه، فكأن مثل هذا الإنسان قائم بغير إنسانيته.
وفي الواقع أنه قد أصبحت هذه العلاقات جسماً حياً نوع من الحياة المادية.. تتمثل في كل شخص حتى مع القريب وقريبه، فترى علامة حياتها وقوتها في الأصدقاء وكذلك الزملاء في العمل أن يصافح بعضهم بعضاً بالأيدي ويدوس بعضهم بعضاً بالأرجل، ولا أطبّق هذه الحالة على الناس عامة أو كثير منهم، ولكنها موجودة لا محالة في البعض من الناس حيث لا تخلو الحياة من الطيبين ذوي العلاقات القائمة على الصدق والمحبة، ولكن الوهن والضعف في هذه العلاقات ثابت بلا مغالطة. والقلوب التي تحيا بها هذه الرابطة الخالدة هو التّحاب والتّواد الذي لا يتغير ولا يتحول ولا ينقص أو يزيد -إلا أنه الآن أصبح يزيد كما يصفه الواصفون فيما بينهم ولكن في الأقوال، وأنت حين تتعرفه من أعمال الناس لا تجدك تعرف له إلا اسماً واحداً هو الطمع أو تبادل المصلحة لا غير، فيا لله! أنجد عداوة مدلّسة ثابتة مُبطنة ولا نجد صداقة صادقة ومحبة ثابتة كالعداوة على الأقل؟! ولو تساءلنا: لمَ يتّحد الناس في البدء والنهاية ويختلفون في الوسط؟ فالجواب عن ذلك السؤال لأن بدأهم من طريق الله، ونهايتهم في طريقهم إلى الله، ولكن الوسط مدرجة بيوتهم ومصالحهم وأعمالهم، وبكلمة واحدة هو طريق بعضنا إلى بعض، وحيثما التقى الإنسان بالإنسان فإما أن تلتقي المنفعة بالمنفعة، وإلا المنفعة بالمضرة، فلابد من انتفاع أحدهما أو كليهما، وتباً لحياة لا تقوم علاقات أهلها إلا على هذا النحو من التناقض، تناقض الإنسان مع نفسه في تعامله مع الغير، وكأنه سور ظاهره الرحمة وباطنه العذاب.
وهذا التناقض الذي نسيء به إلى أنفسنا هو الذي يجعل النفس خائفة، إذ لا تجد فيها غير ألم التعبد والخضوع للأهواء والشهوات، ولا تصيب من الحياة إلا ما يُستذمّ منها -أولى لك أيها الإنسان ثم أولى لك- وإلا فهل في النعمة والسعادة خير من قرة العين وضحك السن وطلاقة الوجه؟
أُخيّ إن البر شيء هيّنُ وجهٌ طليقٌ وقولٌ لينُّ
وأن يكون القلب في حجاب من نور الله لا تهتك عنه رذائل النفس وإبلاسها ولا يعلق به غبار الأرض، ولا يتغشاه ظلام الحياة وخداعها ومناورتها، أو ماذا في السعادة أهنأ من توقي شر هذه السعادة، فلا ينالك إلا ما تحب أن ينالك، ومن أعظم هناءتها أن تكون خارجاً من سلطان ما بينك وبين الناس من خلق مستبد أو رغبة جامحة ظالمة، وأن لم يجعلك الله مرآة عدو يصلح فيها نفسه -يرى غلطاتك فيتقي على نفسه من مثلها- فكأنك مرآته، وأن تكون خارجاً من سلطان شهوتك ورغباتك، لا لك ولا عليك، وأعتقد أنه لا يوجد أكثر ما في هذا العالم من خير في تعامله أو شر إلا مرتطماً في هذين الحرفين: (خذ، وهات).
وبهذا فإنه يذهب العمر باطلاً، بين هذين الحرفين، الذي له والذي عليه، ويجني الإنسان على نفسه من أثر الخوف في: (خذ) والطمع في (هات) بمعنى أن كلتا هاتين الكلمتين عند حدس نفسه لا تأتيان على وجهيهما إلا مقلوبتين -لفساد في الطبع- فلا يهنأ بموجود ولا يطمئن، ولا تكون آماله إلا مخاوف مستبهمة لا مأتى لها من الحقيقة، فيجد روح التعاسة في كل مسلك يسكه من أشياء كثيرة ولا يكاد يصيب العزاء أو يهتمّ فيوقّر ويحترم إلا من فوقه، كأنه لا يرى في الدنيا كلها أسفل من نفسه، ولم يعمل بقول مثل هذا الشاعر، بل لم يأبه به:
وأكرم نفسي إنني إن أهنتها وربّك لم تكرمْ على أحد بعدي
وقد تساوى في الدناءة والكلف بمطامع الحياة ولؤم الطباع ظاهره وباطنه، وصار أمر رضاه وغضبه وإحساسه بل وكل حياته موقوفاً على حرفي: (هات) و (خذ) والمؤسف المحزن أن حكمة الله ستظل مطوية في ظلمات الغيب لا يتنوّرها إلا من عمر قلبه شعاع الإيمان وسطع فيه نور حكمته، أما الذين تتعبّدهم شهواتُ أنفسهم فهم أبداً في حيرة وضلال ورجاء وتوجس خيفة ووجل من الآتي البعيد، وأخيراً.. أه لو وضعنا هذه الحكمة نصب أعيننا في كل لحظة لمعرفة مآلنا وما ينتظرنا، إن عاجلاً وإن آجلاً، تقول الحكمة: (أيها المتقاتلون على الدنيا المتكالبون عليها.. المتعادون.. أيها الإنسان المتناطح مع أخيه الإنسان؟ هل بلغت بك الوقاحة والجهل أن تنازع البقاء؟ إن تنازع البقاء مذهب فلسفي بقري لا إنساني إنها الثيران.. هي التي تجد من أن تنتطح في المجزرة ونسيت لم هي في المجزرة؟
يقول أبو العتاهية في سلم الخاسر:
أيا من عاش في الدنيا طويلاً وأفنى العمر في قيل المحال
تعالى الله يا سلم بن عمرو أذل الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تقاد إليك عفواً أليس مصير ذلك للزوال؟
(18) الشباب ومدرسة الإيمان
الدين سلوى النفس من آلامها وطبيبها من أدمعٍ وجراحِ
نحن متفائلون بشباب اليوم ورجال المستقبل الذين هم أبناؤنا أكبادنا الماشية على أرضنا، فيجب أن يعلمهم الدين كيف يعيشون معلقة قلوبهم بالذات السماوية التي وضعت في كل قلب عظمته وكبرياءه عن الزيغ أو الانزلاق، وأن يخترعهم الإيمان الصحيح اختراعاً نفسياً، علامته المسجلة على كل منهم هذه الكلمة (غير قابل للتزييف أو الانخداع بتيارات أو مذاهب أو طقوس غير الشريعة المحمدية)، وأن يحذرهم ديننا الحنيف من أهل البدع والضلال الذين لا يقولون لهم إلا كما يقول الشيطان لأتباعه:
{ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} لأنهم حينما يدعونهم إليهم كمن: {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير}.. لبئس المولى إذا جاءوا بخداعهم وتضليلهم، ولبئس العشير إذا ألصقوا أباطيلهم وسفاسفهم وترّهاتهم.
وأعود فأكرر بأننا متفائلون بهذه الصحوة الشبابية اليوم، ولهذا فليس بدعاً ولا عجباً أن يسر الآباء ويبتهجوا لما يفاجئون به من بوادر خيّرة تثلج الصدر وتبعث على التفاؤل من انتشار وعي ثقافي وصحوة دينينة تطبّع بها كثير من الشباب والنشء وجيل اليوم شباب الغد، وكل منهم ابن لأب من أفراد المجتمع، وكم نحن سعداء فرحون أن نسمع ونرى شبابنا صغاراً وكباراً -في أي مكان وبلد- يرتادون المساجد زرافات ووحداناً يستبقون أبوابها قبل الآباء بلا تريث ولا سأم أو ملل أو يساقون بعصا الواجب، بل طواعية وانقياداً، لا قسراً ولا إكراهاً، وكم رأينا ونرى في كل آن ولحظة تغيراً ملحوظاً واستعداداً فطرياً حتى من صغار السن الذين لم يبلغوا الحلم، وكثيرون هم الذين اصطبغوا بصفات دينينة خالصة، مددها الكتاب والسنة.. وإن الآباء لتطمئن قلوبهم حين يطمئنون على أبنائهم، وتطيب نفوسهم إذ يرون خلطاءهم وما اتسموا به من صفات حسنة ومؤشرات تبعث على الارتياح جرياً على رأي المثل: "عن المرء لا تسل وسل عن قرينه".
ومن المشاهد -جمع مشهد- المطمْئنة: التفاف هؤلاء الشباب وانضوائهم إلى الخلطاء الصلحاء ووجود التناغم بينهم في الانسجام الديني، وهذا وحده يدل دلالة صريحة على هذه الوجهة السليمة التي هم مولّوها، لأن استخلاص الأخلاء وتنقيتهم أمر لازم لأن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض من قديم الزمن، وقد يكون بعضهم لبعض عدواً إلا المتقين، واستخلاص الأصدقاء واصطفاؤهم يؤكده ما قيل في هذا الشعر:
جلوس المرء خيرٌ من جليس السوء عنده
وجليس الخير خيرٌ من جلوس المرء وحده
لذا فإن تشجيع هؤلاء الشباب على هذا المسلك، والأخذ بأيديهم، والدفع بهم إلى الأمام للتمسك بعقيدة ديننا السمحة، وحفزهم إلى التوجه إلى الله بقلوب سليمة نقية من الأضرار بل وتحسن مكافأتهم من كل أب، بدلاً من خذلانهم، وربما الهزء بهم وربما السخرية من بعض الأشخاص وتثبيط هممهم وإخماد جذوة الحماس فيهم من بعض المضعوفين عقولاً.
آملين من شبابنا أن يُعطوا العلم ولا يُحْرَموا من العمل به وألا يكونوا ممن يتحابُّون بالألسن ويتباغضون بالقلوب، فينقدح الشك في قلوبهم لأول عارض من شبهة، وألا يتخذوا المضلين عضداً، وليعلموا علماً يقيناً بان التدين والزهد في الدنيا ليس فقط بتشعيث اللمة ولا قشف الهيئة، ولكنه ظلف النفس عن شهواتها، كما عليهم ألا يزكوا أنفسهم، أو يعتقدوا أن ما أحرزوه من مطالعات وعلوم ضحلة أو درجات علمية: أنهم قد وصلوا بها الغاية أو عنان السماء، كلا! فإن الإنسان لا يزال عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، ولو اكتفى من العلم أحد لاكتفى كليم الله، إذ قال للعبد الصالح: {هل اتبعك على أن تعلمنِ مما علمت رشدا}.
وليعلم شبابنا أنه لا خير في قراءة يقرؤونها أو تلاوة يتلونها إلا بتدبر ويقظة، وكذلك العبادة بالتأمل العقلي والنظر الثاقب، تطبيقاً لإرشادات الإمام علي"رضي اله عنه" ونصائحه، ومن نصائحه للدعاة المرشدين قوله: (لا خير في قراءة إلا تدبر، ولا عبادة إلا بتفكر، ولا في علم إلا بحلم، ألا أنبئكم بالعالم كل العالم؟ هو من لم يزيّن لعباد الله معاصي الله، ولم يؤمنهم مكره ولم يؤيسهم من روحه، لا تنزلوا المطيعين الجنة، ولا المذنبين الموحدين النار حتى يقضي الله فيهم أمره، ولا تأمنوا على خير هذه الأمة عذاب الله.. فإنه: {لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} ولا تقنطوا شر هذه الأمة من رحمة الله.. فإنه: {لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون}.
وليعلموا أن البدع والخرافات والمزالق الخفية المزعجة المرهقة -في بعض الكتب- كثيرة، وأن المبالغة والغلو والتهويل عداوة لبساطة الحياة الصادقة، وأن الجنوح إلى التعصب الفج والتهويل المرهق -هو من صفات الأدعياء المتطرفين الذين انقطعت الصلات الطبيعية الحية بينهم وبين الحياة والأحياء، حيث لم يأخذوا هذه الحياة مأخذا بسيطاً جميلاً لا تعقيد فيه ولا تكليف، ولم يمعنوا النظر في كل محتويات الإسلام على تباين موضوعاته، فيدركوا أنها نابعة جميعاً من أصل عميق شامل واحد، هو البساطة التي لا تزييف فيها ولا تمويه، أو لنقل: هو الصدق مع الحياة (الدين المعاملة) (الدين النصيحة) الدين نفسه غايته أن يشدك إلى الآخرين برباطة الإخاء، والمفهوم الحقيقي للتقوى والعبادة الحقة: أن تدفعك لأن تعترف بالحق قبل أن تشهد عليه، وألا تحيف على من تبغض ولا تأثم فيمن تحب، ولا تخدع أحداً، وعلامة الإيمان الصحيح: (أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك) وأن يكون تعبدك ليس شيئاً من سلبية الخائف الهارب من أمر ما، أو التاجر الراغب لأمر ما، كما هي الحال عند بعض من تشوب عبادتهم الشوائب من أدعياء الدين لا دعاته، كما أن للمنافقين وذوي الدجل في كل زمان سبل يسلكونها تمهدها لهم عقلية الزمن وصفاته، ولعل أبرز هذه السبل لدى بعض من أدخلوا على الدين ما ليس منه هي ما استغلوه من أمور الدين تفسيراً وتأويلا وأحاديث مدخولة مضعوفة الأسانيد يستوي في ذلك أهل النفاق من أصحاب المنافع لدى الأمم الأخرى -ذوي الديانات في جهات متعددة.. أما أقرب هذه السبل لأن يستغلها المنافقون ومن في حكمهم، فهي ما يدعونه -زيفاً وتقولاً- من أن أنبياءهم دعوا إلى الزهادة في الدنيا، وإلى التقشف في العيش، وإلى القناعة بالفقر -الذي استعاذ منه نبينا الكريم، وإلى القعود مع الخوالف، وعن كل طموح، بل وعن العمل والسعي لاجتذاب الرزق.. وشريعتنا الغراء براء منه، وكل هذا غلو ومغالاة في الدين وهما مذمومان:
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم
فالغلو مغاير لأبسط القواعد الشرعية، وإذا ما قابلنا بين موقف النبي صلى الله عليه وسلم من دعوته وسماحه السمح، ثم بين تشديد أولئك المتزمتين المقيت لرأيناه يسمو حيث ينحدرون، ولا عجب في هذا، فالإيمان الحق عنده صلى الله عليه وسلم نابع من أصوله الإنسانية الشرعية.
(19) مع جريدة عكاظ عن المبادئ المشتركة
س: ما هي المبادئ المشتركة في التعامل بين أفراد المجتمع والتي تحدد بدورها مجال الحرية الشخصية للفرد والحضارة الفكرية ككل؟
ج: أولاً عن الحرية بمفهومها العام، فأقول: إن الحرية شمس يجب أن تشرق على كل نفس، فهي مكفولة أصلاً في الناس يكفلها الوجدان الإنساني بوصفه قوة لا تعمل بالإكراه وتكفلها قوانين الطبيعة التي لا يمكن الاعتداء على حركتها الحرة في قليل أو كثير، ويكفلها العمل الاجتماعي الصحيح الذي لا يستقيم إلا بمقدار ما هو خاضع لأصول الوجدان الإنساني وقوانين الطبيعة الثابتة في حريتها، فالإنسان إذن حر بأصوله المرتبطة بالمسئولية، يحس حراً ويفكر حراً ويعمل حراً، ولا يجوز إجباره في غير هذه الحدود إلا إذا جاز فناؤه، ولكي نجعل حرية الفرد في نطاق من حرية المجتمع ومصلحة أفراده، يجب أن يقودنا النظر العميق إلى اكتشاف حقيقة اجتماعية أساسية، وهي أن الناس المرتبطين بالمجتمع لابد لهم من توجيه شعورهم بالحرية توجيهاً معيناً لا يحد من أصول هذه الحرية، بل يمنع استخدامها على أسلوب بدائي يضر بالآخرين.
فحرية الأفراد ليست الحرية الإباحية الرعناء، بل هي مقترنة أبداً بالشعور بالمسئولية، وقبل أن نلجأ إلى القول بتوسيع معنى الحرية في مدارك الناس، ففي الوقت نفسه يجب أن نلجأ إلى توسع معنى الشعور بالمسئولية.. وإذا كانت المسئولية لا تتبلور في مجال الحرية الفكرية ككل، في الأفكار الجامدة والقلوب المأسورة والعواطف المكبوتة والشخصيات الفردية المحدودة.. إذن فهي تنهض بالحضارة الفكرية وتتبلور في نطاق الحرية التي تطلق الأفكار والعواطف الشخصية وتمدها بالغذاء النافع المقوي، وتقودها إلى الشعور بالمسئولية وإلى التفكير الدائم بأن كل فرد مرتبط بمجتمع ووطن له حقوق وواجبات، فهذه المبادئ المشتركة في التعامل بين الفرد والمجتمع مرتبطة بعلاقات أبناء المجتمع بعضهم بعض بقدر ما هي مرتبطة بالضمير والوجدان، ثم إن الإنسان الصاعد في طريق التعاون والتآخي لا يمكنه هذا الصعود إن لم يكن حراً بجانبيه الذاتي والاجتماعي، فليس حراً ذاك الذي لا يصفو ضميره من الشوائب التي تحط بالقدر الإنساني، وليس حراً ذاك الذي يهمله المجتمع يفعل ما يشاء وأنى يشاء، وليس حراً ذاك الذي يسيء إلى نفسه بتعاطي المخدرات والمحرمات لأنه يسيء إلى مجتمعه على صورة أقوى وأنكى. وأظهر آثار الحرية الصحيحة في الفرد والمجتمع تحديد الغايات الإنسانية وتنسيقها والملاءمة بينها، لأن إطلاق الحرية لكل إنسان على شأنه وسبيله كيف دارت معيشته أو شطحت به أفكاره، وكيف دارت أهواؤه -يجعل طرائق الناس فوضى مضطربة متصادمة فيقطع بعضها على بعض، ويقوم سبيل في وجه سبيل، فلا تحل عقدة إلا من حيث تقرض أختها، وهذا نوع من التدني الحضاري والفكري، ومن هذا ونحوه أصبحت الحرية المطلقة لشخصية الفرد هدم للترابط المجتمعي وتقويض لدعائم أفكاره وحضارته، لأنها لا تقف عند إشباع العواطف وتغذية الشعور، وليست في موضعها الذي هو بين الضمير والعقل، ولكنها في إشباع جسد لا يشبع مادام حياً في تغذية حاسةٍ وأفكار لا يزيدها الانطلاق الحرّ إلا شرهاً وضراوة.. وهي في النهاية سائرة في طريق مخيف، ومعلوم أنك إذا خفت عاقبة طريق أنت سائر فيه قطعت الطريق كله مضطرباً خائفاً، وإن كنت موقناً أن ما يخيفك لم يأت بعد. لكنك إذا مشيت في حرية من نور روحك وفضائلها لم يخفك شيء. وإذا مشيت في ظلمة شهواتك وأهوائك المتحررة خفت من كل شيء، فكيف ينبني مجتمع هذه حال أفراده؟
إذن: نخلص إلى القول بأن المبادئ المشتركة في المعادلة والتعامل بين أفراد المجتمع لا يتحدد مجالها بين حرية الشخص الفردية والحضارة الفكرية للمجتمع بشكل متكامل إلا إذا نبع من العلاقات والأخلاق التي يرتبط بها أبناء المجتمع، وبقدر ما تنبع من الضمائر والوجدانيات، ولها أركان هنا وأركان هناك، ولا تقوم مقاييسها ولا ترتقي الحضارة الفكرية إلا عليهما جميعاً، فهذه الروابط التي يرتبط بها أبناء المجتمع -وهم ذوو صفتين: فردية واجتماعية، والتي تنشئ الحضارات وتقوم عل أسس التعاون بين الارتباط حينما يكون طرفاه الإقناع والقبول هو وحده الطبيعي بين الارتباطات وهو الجدير بالحياة الداعي إلى التطور الحضاري، مستمداً من مقدار ما أدرك من روح الحرية الشخصية الفردية التي لا يجوز معها إرهاب للضمير ولا تخويف للنفس، والتي لا تعترف من الإنسانية إلا بوجهها الجميل وخيرها الأصيل، وأحب لفت الانتباه إلى ما أشرت إليه عن الحرية الشخصية: فإنما أردت بها المقيدة بحدودها، لأن الحرية المطلقة لا تجدها في أمة من الأمم، أو عصر من العصور إلا جهة من الخلل في نظام الاجتماع الإنساني، وكل خلل في النظام الاجتماعي، فإنما مرده إلى طغيان الحرية في أفرادها وجنوحهم إلى أن تكون شخصية الواحد منهم من الكبر والعظمة والفوضوية بحيث توازن المجموع كله أو أكثره، بيد أن هذه الموازنة الفردية إذا اتفقت وتوافقت: كانت إخلالاً بالموازنة الاجتماعية والفكرية لأنها تجعل كل حركة من هذا الفرد الحر في كل شيء زلزلة في المجموع، والأفراد هم أبناء المجتمع، والموازنة الاجتماعية لا تتهيأ على خطها المستقيم إلا إذا تطبعت قوى المجموع فاندفقت في تيار واحد إلى جهة معينة.
س: ما هي العوامل الثابتة التي تؤثر بشكل مباشر فعّال في تكوين مجتمع أكثر حضارة فكرية؟
ج: العوامل الممكن تأثيرها بشكل فعال في تكوين مجتمع راقٍ متطور حضارياً. أقول: إن الإنسان بلا أدنى ريب قد وهب من الاستعداد للكمال والوثوب والقدرة على أجمل ضروب الحياة وأقواها ما لم يوهب مخلوق آخر، ومن المحقق يقيناً مما هو مطلوب الكل والشعوب أن تسير الأمم سريعة -لا بطاء فيه ولا تأخير- في سبيلهم التي خلقهم الله وأعدّهم وهيأهم وأمرهم للسير فيها- أي الكمال وإلى الحياة والقوة، فإن الله قد ذرأ خليقته وذرأ بذور الكمال، وذرأها مهيأة لأن تبلغ أقصى ما في الحياة من قوة ونجاح، والمسألة لا تعدو أن تكون تفاوتاً بعيداً بين السبل الموصلة إلى التطور الحضاري، أو المتغيرة إلى تقهقر وتخلف وركود وجمود ذلك مرتكز على فهم الحياة وفهم سنن الوجود، وفهم ما بين الأسباب والمسببات من ارتباط، وفهم الإنسان نفسه، وصلات الإنسان بالإنسان، والوجود وفهم كل ما يقع تحت الحس والوجدان، فلنعمل موازنة، مثلاً: بين شعبين أو دولتين هبطا هذا الكوكب الأرضي الواسع الأرجاء الكثير الأخطار، أحدهما فكر في نواميس هذا الكوكب الذي هبطه وفي قوانينه ونظمه وفي نواميس أهله وقوانينهم ونظمهم: فكر تفكيراً فاحصاً فاهتدى إلى كل شيء مما يتصل بذلك، فسار تحت ضمان معرفته في قوة وثبات لا يكبو ولا يضل فثبّت أقدامه وقواعده على العلم والعمل والثقافة والعرفان.
وشعب آخر أو أمة أخرى هبطت غريبة في هذا الكوكب جاهلة نواميسه وقوانينه ونواميس من فيه وما فيه، بل جاهلة نواميس نفسها ونواميس وجودها فلم تدر كيف تأخذ ولا كيف تدع ولا كيف تسير وتتجه، ولا تعرف ما يقودها إلى النجاح والفوز، ولا ما يؤدي بها إلى الفشل والدمار.. هاتان أمتان، فماذا عسى أن تكون النتيجة لاجتماعهما؟ ليس هناك أدنى ريب أن الغلب سيكون للأقوى بالعلم والعرفان والإيمان الصادق، وقد كانت حقاً، وليس هناك أدنى تردد في انهزام الجهل إذا ما اصطدم بالعلم، وإن أسمى ما يتصور العقل البشري الموازنة بين القوة والحث على مواصلة السير في سيل المجد والكمال للأمة، وأمة عاجزة عن اللحاق بالركب الإنساني المغذّ الخطى إلى هذه الحياة التي تتفجر كل يوم عن ينبوع بالمثل الإنسانية العلمية التي من ملكها فقد ملك ناصية هذا الوجود واحتكم فيه وفي من فيه من حيوان ونبات وجماد بقدر ما أوتيه من علم ورقيّ حضاري وعرفان، وللنظر إلى هؤلاء الواقعين صرعى معركة الحياة الرهيبة، العاجزين عن النهوض وعن الحياة الصحيحة، ثم لنسألهم فرداً فرداً لماذا سقطوا، ولماذا عجزوا؟ نعلم أنهم سقطوا وأنهم عجزوا لأسباب، وأن أحد هذه الأسباب هو شكهم في قدراتهم وعدم ثقتهم بكفايتهم الذاتية، بل شكهم بالكفايات الإنسانية جمعاء، ولأن رقابهم تخضع وهاماتهم تنحني أمام المشكلات الإنسانية الكبرى، كمشكلة البطالة ومشكلة الجهل ومشكلة الأخلاق وكل مشكلة، ويرون أنهم ليسوا أهلاً لحل كل منها، وإلا فقل لي بربك: لماذا نبغ العبقريون الذين أهدوا إلينا المخترعات والمكتشفات؟ وبماذا امتازوا على الآخرين الذين لم ينبغوا بنبوغهم ولم يكونوا مثلهم؟ أيمتازون بالذكاء الخارق؟ ليس هذا كل ما ميزهم، إذن يمتازون بالهم الوثابه التي ى تعرف الكلال، ولا شك أنّ معظم ما يمتازون به ، والسؤال هو: لماذا امتازوا بذلك؟ أغلب الظن أن الذي يزودهم بهذه الطاقات والذي يقدم لها الوقود حتى لا تقف والنشاط حتى لا تنضب هو هذا اليقين بالقدرة الإنسانية، ويقينهم بأنهم ممتعون بالقوى التي ستوصلهم إلى غاياتهم وأهدافهم والتي ستتم مخترعاتهم واكتشافاتهم.
وهناك سبب آخر في التاريخ العام لقيام الأمم ورقيها الحضاري أو سقوطها، وتوثبها أو ركودها وهو أن الشعوب إذا مرضت مرضاً اجتماعياً خطيراً ضعف شعورها بالحياة ثم تبع ذلك ضعف شعورها بأمراضها وآلامها، ثم تبع ذلك ضعف تفكيرها فيما أصابها أو يصيبها، والإحساس بالآلام هو في الحقيقة برهان الحياة الفياضة المتدفقة، وبرهان القوة والعافية، ولهذا كان إحساس الإنسان أقوى من إحساس الحيوان، وإحساس الحيوان أقوى من إحساس النبات، ثم الجماد لا إحساس له لفقده الحياة، والكبار أعظم إحساساً من الصغار، وقد كان المتنبي حكيماً حين يقول:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
(20) التعلم حق من حقوق الفرد على أمته
كلما ارتقت الحياة، وتحضرت الأمم، زادت علاقة الفرد بالمجتمع، وتعددت واجبات كل منهما نحو الآخر، وتكاثرت مقابل ذلك حقوق كل قِبَل صاحبه، فلم يعد المرء في أمته حراً يفعل ما يشاء، ويذهب أنى شاء بل أصبح الفرد ملك وطنه، يتقاضاه خدمته، بل يتقاضاه أن يرقى بنفسه ليستطيع أن ينهض به، وكذلك لم يعد الفرد مسئولاً وحده عما هو فيه، وعما يؤاتيه أو يعانيه، بل أصبح المجتمع والفرد شريكه في الحساب.
وهكذا اصبح كل من المجتمع والفرد مسئولاً وسائلاً، ومديناً ودائناً، إذ لا سلامة للفرد إن لم يرعه المجتمع ويسدد خطواته، ولا سلامة للمجتمع إن لم يسعفه الفرد في أزماته وملماته:
كلا أخي وخليلي واجدي عضداً في النائبات وإلمام الملمات
بل لقد برهن الزمان بلسان الحوادث أن المجتمع اشد حاجة إلى الفرد من حاجة الفرد إليه، وأن إساءة الفرد إلى نفسه إساءة إلى وطنه، على صورة أقوى وأنكى، وأن حياة الفرد ورقيه أمانة في عنق أمته، ومن هنا لم يعد عجباً أن يحفل المجتمع الراقي بالفرد حين لا يحفل الفرد بنفسه، وأن يحسن المجتمع إلى الفرد حيث يسيء الفرد إلى نفسه، فيبذل له ما صعب عليه، ويكفل له كل ما عجز عنه من مطالب الحياة، بل إن المجتمع قد يدعُّ الفرد إلى الخير دعّاً ويسوه على النفع على الرغم منه بعصا الواجب وسوط النظام.
وها هي ذي المجتمعات الراقية تعاقب من يسيء إلى نفسه لأنه يسيء إلى الوطن في شخصه، فترى المجتمع مثلاً يعاقب من يتناول المخدرات المردية، وما ذلك إلا لأن المجتمع يحسّ علاقته بالفرد، ويقدر حاجته إليه.
والحق أن الأفراد أبناء المجتمع وأجناده، له عليهم واجب خدمته ونصرته، ولهم عليه حق حدبه ورعايته، وإذا كانت الدول في مسيس الحاجة إلى كل فرد من أفرادها، يذود عن حماها، ويضحي بنفسه في سبيل علاها، فإن الثمن الطبيعي لذلك أن تفي الدولة والأمة لكل فرد في حاجته لتعليم، وأن تمهد له سبيل سعادته، وأن تحميه من عنت الأيام وصروف الزمان.
وإذا كانت الدولة الراقية اليوم تعد طعام الجائع، وكسوة العاري، وأمن الخائف ، وتعليم الجاهل، وحماية الضعيف ومعالجة المريض وهداية الضال.. حقوقاً إنسانية في عنقها، يجب أن تخف إليها، وتنهض بها، وإذا كنا نحن نعد الماء والهواء والضوء، حاجات ماسّة يجب أن ندبرها وأن نوفرها لأنفسنا.. فما أجدرنا أن نعتبر العلم والثقافة كذلك، وما أشبه اضطرار الفرد إلى التعليم باضطراره إلى الغذاء، وما أشبه حاجة الجاهل إلى العلم بحاجة المظلم إلى الضياء، وعار أن ننشط لإنارة شوارعنا وبيوتنا ونهمل إنارة عقولنا.
وإذا كانت الحكومات تُنشأ، والمبالغ الضخمة تنفق من أجل إعداد الوزارات وتنظيم الحياة وتدبير الضرورات.. فما أحقها أن تعد تعليم الفرد أمراً أولياً، وحقاً وطنياً يجب أن تتضافر وتترى جهودها له، حتى تنهض به وتنجح فيه.
فلقد أصبحت نهضات الشعوب وانتصارها في الحروب وتفوقها في أيام السلم.. على قدر ما تحظى به من علم، وما تظفر به من ثقافة.
وإن المواطن الجاهل لأعمى أبله، لن يفيد وطنه شيئاً، بل هو عدو له وحرب عليه، وحج عثرة في سبيل نهوضه.. وما الروح المعنوي في الشعوب وجيوشها إلا قدر ما يحسه الفرد من حماية المجتمع له، ورد جميل 'ليه.
والحق أنه لا ينخر من الأمة والدولة عظامها، ولا ينقض عليها نظامها، ولا يضيع في السلم والحروب جهودها، إلا رجلها الجاهل، وأبناؤها الساخطون المتبرمون الضجرون، على أن إنسانية المرء لا تتم إلا بالتعليم والثقافة، فهو بالطعام والشراب حيوان، وبالعلم والثقافة إنسان، لأن العلم في هذا العصر كالهواء والغذاء، لا يمكن العيش بدونه ولا تطول حياة شعب قليل الحظ منه.
(21) الصحف ووسائل الإعلام رسالة عامة
لا شك أن وسائل الإعلام عامة من صحف وإذاعة وتلفاز وأقمار صناعية: تعتبر اليوم إحدى آيات هذا العصر، وعنوان من عناوين الحضارة، ونعمة من نعم المدينة الحديثة، وحسبك أن الرجل المتعلم الآن، لا يكاد يفتح عينه في الصباح حتى يتطلب صحيفته، ويصيخ سمعاً للإذاعة، ويقتطع الحيز الكبير من وقته لمشاهدة التلفاز، ولا غرو فهذه الوسائل ثقافة وغذاء روحي، يرجح الغذاء المادي لدى المثقفين المهذبين.
وإن الإنسان ليعجز الآن عن تصور مجتمع بلا صحافة ووسائل إعلام، كما لا يطيق أسبوعاً يمر دون قراءة صُحفة والانتصات لأخباره، فالحق الذي لا مراء فيه أن تجاهل هذه الوسائل والصحف وعدم قراءتها في عصرنا هذا، يُعد نوعاً من الرهبانية السمجة والتزمت المملول ينقطع به المرء عن دنياه، ويعيش بين نثيله ومعتلفه كما يعيش الحيوان.
وإن يوماً تقهرنا فيه ظروفنا الآن وتحرمنا من قراءة صحيفة وتتبع لأخبار محلية وعالمية لهو يوم منقوص من العمر، يبدو كأنما أزجاه صاحبه في صومعة أو صحراء، منقطعاً عن الحياة، لا صلة له بالمجتمع الذي يعيش فيه.
وقد أصبحت الصحافة اليوم ووسائل الإعلام ركناً من أركان الحياة الاجتماعية الراقية، فهي تعتصر أخبار العالم وتقدمها للقراء والمستمعين والمشاهدين طليّة شهية، كما أنها مرآة الكون، تتجلى فيها أحداثه وشئونه، وحسبك أن ترى هذه الأحداث مرئية ومقروءة في مخدعك، فتتلو عليك شئون المغارب، وتحدثك حديث المشارق، وتحمل إليك من كل علم طرفة، ومن كل فن تحفة، فتحس أنك عضو في هذا المجتمع الإنساني، ونقطة في هذا الخضم البشري، تسير يه، وتتموج معه وقد كسبت الصحف والوسائل الإعلامية على مر الأيام مكانة بارزة، واضطلعت بمهام خطيرة من شئون المجتمع، فقد غدت أستاذ الشعب، وقائدة الجماهير، كما أضحت منبر الرأي العام و "برلمانه" الذي قد يكون أصدق قولاً، وأكثر انتشاراً لمرئيات، وأعف سياسة.
وإنك لتجد حكومات الأمم جميعها، تحسب للصحافة والإذاعة الآن كل حساب، وتخشى دعايتها كل الخشية.. فهي تصب -صباح مساء- في قلوب الناس آراءها وتفرغ في آذانهم نصحها وهديها، وتوحي إليهم بوحيها وتوجيهها، فتبصّر من لا يبصرون، وتفقّه من لا يفقهون، وقد تنفخ في روع الشعب، وتزيد من وعيه الاجتماعي والسياسي، فتفتح له الطريق إلى قفزة ناجحة، أو تهديه سواء السبيل إلى غزوة سياسية رابحة.
ولاشك أيضاً أن الصحف وما فيها مقياس حضارة الأمة ورقيها، إذ تتجلى فيها فنونها وآدابها، وإنك لمستطيع أن تحكم على الأمة وأخلاقها، ومستقبل أجيالها، حين تدرس صحفها وتقرأ وتسمع أخبارها وما تنضج به صفحاتها وما تزخر به أقلامها، من نقد وأدب، وما تتنفسه من آلام وآمال، هي صدى لأخلاقها: من جد وصرامة، أو لهو ومجانة.
وجميل جداً أن تتحور الصحف وكل الوسائل الإعلامية عند الأزمات فتكون الأسلحة الفتاكة في يد الشعب المهيض حين يعتسفه غاصب ظالم، أو يسومه سوء الحياة طاغية غشوم، إذ يهرع الشعب إليها: يزمجر ويزأر على صفحاتها وينفث حماسه في أبواقها، ثم يتخذها سلاحه المشحوذ يحارب به ظالميه، وسوطه المفتول يقرع به رءوس شانئيه(1) ومذليه، والحق أن المقالات الرنانة والأبواق الطنانة الفاضحة، ليست بأقل أثراً من الرصاصات المدوية الجارحة، وكم شهرت الشعوب المضطهدة سلاح الصحافة فأودى بعروش، وطاح بحكومات، وكم أملت هذه الوسائل الإعلامية على الدول كلمتها، وفرضت على العتاة مشيئتها، فهي سلاح بتار، وبوق جهوري الصوت، له أثره في عصر اتصلت فيه آذان الأرض، وزاد فيه اتصال الشعوب وتيقظ الضمير الاجتماعي بين أمم العالم، وتفتحت عيون الدنيا لكل شكاة وظلم.
وعلى قدر ما وكلته(2) الأوضاع الاجتماعية إلى الصحف والأجهزة الإعلامية من مهام خطيرة، وغايات عظمى، أصبحت مسئولية أصحابها والقائمين بتحريرها، فعليهم أن يقدروا رسالتهم، وأن يؤدوا أمانتهم وأن يعرفوا أنهم في مركز القيادة من أمتهم، ولكل أمة آمال عريضة، وأهداف بعيدة، وغايات منشودة، وأجيال مقبلة، فعليهم أن يخلصوا النصح، وأن يقدروا الوطن حق قدره، فيقدموا لأمة الغذاء السليم، والتوجيه الكريم.
أما إذا ابتغوا المادة وحدها، فأشعلوا الخصومات أو تملقوا غرائز الشباب، فنشروا القصص المسمومة، وأذاعوا ونشروا الصور غير العفة، يبتزون بها النقود ويسممون بها النفوس والأفكار، فلن تكون ضحيتهم إلا أخلاق الشباب ومستقبل الأجيال، وسيكونون أضر بأمتهم من الفسقة الداعرين، واللصوص الفاتكين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شانئيه : أي مُبغضيه.
(2) اسناد الوكالة إلى الأوضاع : مجاز مرسل علاقته السببية.
(22) مقدمة عن الثقافة والأدب -بإيجاز
أولاً: الثقافة: الثقافة هي الإلمام والتوسع، هي التهذيب والحذق هي الأخذ من كل علم وفن بطرف.
ثقف ثقفاً: صار حاذقاً خفيفاً فطناً، لذا فإنه كلما ثقف المرء وارتقى أدبياً ذبلت فيه حيوانيته وسمت إنسانيته، فتعالت نزعاته وتسامت لذاته. الثقافة تضخم إدراك المرء للدنيا وما فيها وتضاعف حسه بما في الكون من معانٍ عالية ولذات سامية.
وحال الثقافة والأدب مقياس صحيح لحال الشعوب، فحيثما كثر علاجها ووفر نتاجها ونبل غرضها دل على سمو الروح ولطف الحس وشرف العاطفة وقوة الإنسانية. ولعمر الله ما بلغ رسالات الله إلى خلقه ولا كفكف شرّة الشهوات إلا حدود الدين، ولا رسم المثل العليا للناس إلا وساوس الأحلام، ولا نهج لإنسانية طريق الكمال إلا الأنبياء والحكماء والمصلحون المثقفون.
وإذا أردنا أن نلائم بين روح الإنسانية وجسمها ونوفق بين قلبها وعقلها، ونقرب بين عاطفتها ومنفعتها، فلنحارب المادة بالثقافة، والإلحاد بالدين والأنانية بالغيرية، ولبالغ في دراسة الثقافة الإسلامية الصحيحة وممارستها، فإنها شعاع الحس اللطيف وعطر النفس الذكية وعصارة القرائح الخصيبة، وقد علمنا أنها طبيعة من الطبائع الغُرّ، وضرورة من ضرورات المجتمع ووسيلة من وسائل الكمال، وهذا يصدق على الثقافة في كل لغة وأمة، غير أن لدراسة ثقافتنا الإسلامية العربية ميزة خاصة وضرورة ملزمة، لأن عالمنا العربي الآن محاط بالمخاطر والمخاوف والأخطار التي تهدده من كل جانب، ولأنه ينبعث بعد موت طويل بقدر ما هو محفوف بهذه الأخطار، فما الذي يغذي نهضته وقوي وحدنه ويحقق حريته؟ إنها الثقافة الإسلامية، لأنها صلة الأول بالآخر ورباط الماضي بالحاضر وتراث الأجداد للحفدة، وهي أرواح آبائنا وعقول أدبائنا تتدفق في دمائنا وأعصابنا فتملأنا حياة وفخراً وأملاً وعملاً وحرية وعزة، ولولا الأدب العربي الذي نهلت ثقافتنا من معينه حتى امتدت جذورها لما استطاع أحد منا الآن أن يملأ ماضيه فخراً بأن له قديماً كان جديد العالم، وثقافة كانت عقيدة الشعور، وعقلية كانت معلمة الأمم، ولولا هذه الثقافة وحرصنا عليها واعتدادنا بها واستمدادنا منها لوقعنا في العبودية العقلية وهي أشد خطراً وأسوأ أثراً من العبودية الجسمية.. كان العرب في الشرق فاتحين وحاكمين فلا بدع أن تعصف ثورة العصية وتقوم دعوة الشعوبية، وكان العرب في الغرب فوق ذلك شرقيين ومسلمين فلم يكن بد من تصادم العقائد وتعارض الطبائع وتحكم الجهالة فأُنشئت محاكم التحقيق وأصدرت عقوبات التحريق والتمزيق، وشيب التعليم بالتضليل والتلفيق، وبقي من آثار ذلك أن ظلت كنيسة الحمراء تقرع نواقيسها ابتهاجاً بجلاء العرب عن الأندلس، فكيف يرجى من هؤلاء وأولئك الإقرار بفضل العرب على الثقافة؟ والاعتراف بجميلهم على الحضارة؟ وعلى هذه الحال خرجت أمة العرب برسالتها الدينية والخلقية إلى هذا العالم المنقض، والهيكل البالي فجددت أخلاقه على الرجولة وطبعت عقيدته على التسامح حتى أنشئت حضارة هذبت العالم وثقافة حررت العقل من معتقداته الباطلة الظالمة، ولا جرم أن كانت لغة الأمة العربية وثقافتها الإسلامية هي الهدف الأول للمستعمرين، فلن يتحول الشعب أول ما يتحول إلا من لغته وثقافته إذ يكون منشأ التحّول من أفكاره وعواطفه وآماله وهو إذا انقطع من نسب ماضيه، ورجعت قوميته صورة محفوظة في التاريخ، وما ضعفت ثقافة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار، وكل أمة ضعف الدين فيها اختلفت هندستها الاجتماعية وماج بعضها في بعض.
وما دام عمل الدين هو تكوين الخلق الثابت الدائب في عمله، المعتز بقوته المطمئن إلى صبره الأبي على الذل المؤمن بالموت في المدافعة عن حوزته -ما دام عمل الدين هو تكوين هذا الخلق يكون في حقيقته هو جعل الحس بالشريعة أقوى من الحس بالمادة.
وهذه الأمة الدينية التي يكون واجبها أن تشرف وتسود ونعنز: يكون واجب هذا الواجب فيها ألا تسقط ولا تخضع ولا تذل، وبتلك الأصول العظيمة التي ينشئها الدين الصحيح القوي في النفس يتهيأ النجاح السياسي للشعب المحافظ عليه المنتصر له، إذ يكون من الخلال الطبيعية في زعمائه ورجاله الثبات على النزعة السياسية والصلابة في الحق والإيمان بمجد العمل وتغليب ذلك على الأحوال المادية التي تعرض ذا الرأي لتفتنه عن رأيه ومذهبه، فعلينا نحن المسلمين شيباً وشباباً، جماعات وأفراداً أن نتجه الوجهة الحقة ونتعمق في دراسة الثقافة الإسلامية نستمدها من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ثانياً الأدب: يظهر أن لفظة الأدب مأخوذة من الأدب -بسكون الدال- بمعنى الدعاء إلى المحامد، ومنه المأدبة لصنيع يدعى إليه الناس، كما يستعمل في الدعوة إليها، فيقال: أدب القوم يأدبهم أدْباً إذا دعاهم إلى الطعام، وقد ورد في شعر طرفة بأنه في المشتاة التي يشتد به كلب الجوع يدعو للطعام دعوة عامة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقرا
والأدب هو التعبير الجميل عن معاني الحياة، والتصوير البارع للأخلية الدقيقة المعاني الرفيعة والمثقف للسان، المرهف للحس، المهذب للنفس، المصوّر للحياة الإنسانية والمعبّر عما في النفس من خلجات وعواطف وأفكار، وهو من الفنون الجميلة التي ترسم جوانب الحياة وتصور لك الأشياء كما تجدها وتحس بها، بل هو الفن الرفيع الذي يصدر عن طبع الكاتب أو الشاعر في مقالة يلقيها أو خطاب يرسله أو قصيدة ينظمها.
الأدب: هو الأسلوب البارع والمعنى الدقيق، فلا بد لعد الكلام أدباً من ركنين: معانٍ تثير العاطفة، وصياغة جميلة تؤدي بها المعاني، فإذا لم يصغ المعنى في قالب جميل، وأسلوب أخاذ خلاب، وعُبّر عنه تعبيراً سخيفاً، فإنه لا يسمى أدباً، وليس بصاحبه أديباً.. هذا من جهة. أو هو مأثور الشعر الجميل والنثر البليغ المؤثر في النفس المثير للوجدان، وهذا هو المعنى الاصطلاحي للأدب، أما معناه العام فهو الطرف والرقة في الشعور والتجمل بالفضائل والمكرمات، أو هو حفظ أشعار العرب وأنسابها وأخبارها وأدب الدرس، فالمعنى العام له جانبات: جانب تهذيبي، وجانب تعليمي.
أما كلمة الأديب، فلم يعثر عليها في شيء من النصوص الجاهلية المأثورة، ولكنها وردت في الشعر الإسلامي.
قال ابن وابصة الأسدي:
إذا شئت أن تُدعى مكرّماً أديباً ظريفاً عاقلاً ماجداً حراً
إذا ما أتت من صاحب لك زلة فكن أنت محتالاً لزلته عذرا
ولذلك فكلمة "أديب" لازمت لفظ الأدب في جميع أدوار استعمالاته، أما كلمة الأدب في الجاهلية وصدر الإسلام فلم تخرج عن معنى التهذيب والرياضة والتزين بالأخلاق الفاضلة والشيم الحميدة والخصال الكريمة، يقول ابن قتيبة: من أراد أن يكون عالماً فليلزم فناً واحداً، ومن أراد أن يكون أديباً فليتسع في العلوم قديمها وحديثها وليجدد فيها، أما آراء المحدثين من الأدباء الذين يدعون إلى التجديد فيه ولا يعجبهم قديمه فنقول لهم: إذا أريد بالتجديد العلم والتحقيق وتمحيص الرأي والإيداع في المعنى على أن تبقى اللغة والنص على أصولها، وعلى أن يكون التفنن طرائق لا مذاهب وأهداف يراد بها إثبات ومحو فإننا لا ندفع شيئاً من هذا ولا أحد يعارض فيه، بل هو الرأي بل هو رأي الحياة وقانون الطبيعة.
ثم أيما خير لأدبنا وعلومنا؟ أن نحرص على الأصل الصحيح القوي الذي في أيدينا حتى ينشأ جيل أقوى من جيل وتخرج أمة خير فتجد الأصل سليماً فتبني عليه وتزيد فيه.
لذا فإن أمتنا أمة دين على أصل خالد هو القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد أجمع الأولون والآخرون على إعجازه وفصاحته.. فلا ثقافة ولا فصاحة ولا لغة إلا بالحرص على القرآن والحديث وكتب السلف وآدابهم.
فالنصوص الأدبية والأساليب للقدماء حين تقرؤها فإنك تجدها تسيل حسناً ورقة وعذوبة وأكثرها تخاطب العقل وتعلمه وتستند على المنطق ودقة المعنى.