العدد الثالث عشر من نظريات لسنك المسرحية (هامبوركشه دراماتوركي أو فن المسرح الهامبوركي)
من نظريات لسنك المسرحية (هامبوركشه دراماتوركي أو فن المسرح الهامبوركي)
د. عدنان الرشيد
كانت حرب الفلاحين الألمانية (1618-1648م) أكبر كارثة على المجتمع الألماني إذ دمرت أغلب المدن والكنائس والقصور الإقطاعية وثار الفلاحون ضد الاستغلال والتعسف الإقطاعي. غير أن مدينة هامبورك التي تقع في شمال ألمانيا ظلت بعيدة عن هجوم الفلاحين فاجتذبت إليها أنظار الكتاب والتجار والحرفيين، فتم بناء دار للأوبرا لاسيما بعد انتعاش النشاط التجاري الذي شهدته المدينة التي تقع على البحر.
وكانت تعرض في المسرح مسرحيات الكتاب الهولنديين والإنجليز، بعد أن ظلت المدن الأخرى تعيش على عرض المسرحيات الفرنسية التراجيدية ذات الأسلوب الإسكندري.
وطالب الكاتب الألماني لسنك Lessing ( 1729-1781م) بتأسيس مسرح وطني ألماني على مبادئ ناضجة وهادفة ليس هدفها الترفيه عن الجمهور فقط، بل تربيته وتوعيته. وقد وضع لسنك خمسة أهداف لتحقيق ذلك:
أولاً: ربط المسرح بالعمل المسرحي.
ثانياً: رفع المستوى الفكري والاجتماعي للممثل.
ثالثاً: تربية الجمهور.
رابعاً: وضع أسس علمية للنقد المسرحي.
خامساً: وضع نظرية علمية للفن المسرحي.
وصل لسنك إلى هامبورك في أوائل شهر نيسان (إبريل) عام 1767م، وفي ذلك الشهر افتتح المسرح الوطني في المدينة. وفي شهر مارس من نفس العام نشر لسنك القسم الأول من كتابه عن نقد المسرح بعنوان: "هامبوركشه دراماتوركي" في مجلة المسرح التي كانت تصدر مرتين في الأسبوع في هامبورك. وفي الفصل الرابع بعد المائة وصل فيه لسنك نقطة الذروة فيما يتعلق بإنشاء وتطوير المسرح الوطني في ألمانيا. وقد أثرت آراؤه على الممثلين والمخرجين والمختصين بالفن المسرحي.
وفي عام 1799م كتب شلر (Schiller) (1759-1805) إلى كوته رسالة يمتدح فيها آراء لسنك عن المسرح والفن والأدب. وقال: إنه أجرأ كاتب ظهر في ألمانيا استطاع طرح آرائه بكل شجاعة وصراحة ووضوح، وشخص فيها الأخطاء والأمراض التي يعانيها المجتمع الألماني، كما أثرت آراء لسنك في كتابه (هامبوركشه دراماتوركي) فيما بعد على عملية الخلق المسرحي لكل من كوته وشلر وغيرهم من الكتاب الألمان، حيث تعتبر آراء لسنك أساساً للمسرحية الألمانية ولمسار علم الجمال في الفن والأدب.
إن كتاب (هامبوركشه دراماتوركي) يتألف من قسمين:
القسم الأول منه يضم آراء لسنك حول حالة المسرح الألماني في ذلك الوقت وكذلك الحالة الأدبية، كما يناقش المسرح الفرنسي الكلاسيكي الذي اتخذه المسرح الألماني في البداية نموذجاً له.
أما القسم الثاني فيطرح فيه لسنك القواعد الدرامية ويعالج النموذج الأفضل. وكان لسنك يطالب بمسرح يعرض المسرحيات الألمانية فقط وينبذ المسرحيات الفرنسية، ورأى لسنك أن هامبورك تفتقر على أسس ومقومات إنشاء مسرح وطني وإلى جمهور خاص يتعاطف مع هذا الاتجاه.
وطالب لسنك بتأسيس نقد مسرحي علمي، وكان يؤكد على افتقار النقاد لمبادئ النص العلمي، وطالب بتحقيق الوحدة الديالكتيكية بين النظرية والتطبيق للنقد الأدبي عن الفن.
أكد لسنك أن عرض مسرحية فرنسية لا تثير نفس الإعجاب والأحاسيس مثلما تثيره في نفوس الجمهور الفرنسي، لان الكاتب جزء من المجتمع، وأن الجمهور الألماني متخلف عن الجمهور الفرنسي بأشواط بعيدة، ولا يمكن أن يتجاوب مع المسرحيات الفرنسية التي تعالج مشاكل خاصة بالفرنسيين. كما شخص لسنك حالة المسرح حين ذاك بأربعة أسباب:
أولاً: عدم وجود مسرحيات وطنية في ألمانيا.
ثانياً: افتقار مسرح هامبورك الوطني إلى جمهور يتجاوب مع محاولات بناء مسرح وطني.
ثالثاً: افتقار النقاد إلى المبادئ العلمية لممارسة النقد الأدبي البناء.
رابعاً: تخلف الوضع الاجتماعي للكاتب في ألمانيا.
وكان لسنك يطالب بمسرح تقدمي يجسد طموحات الطبقة البرجوازية الصاعدة والمتنورة. أشار لسنك على محاولات كوتجيت بهذا الصدد في الرسالة السابعة عشرة، حيث قال: "إن كوتجيت لم يكن يريد تحسين مسرحنا القديم بقدر ما أراد أن يصبح مؤسساً لمسرح جديد، ولكن أي مسرح جديد؟ إنه مسرح فرنسي دون أن يبحث عما إذا كان هذا المسرح المتفرنس يلائم طريقة تفكير الألمان أم لا؟
"إن التراجيديا الكلاسيكية الفرنسية نشأت في فرنسا على أساس النموذج الإغريقي وقواعد أرسطو. وبأمر من الكاردينال ريشيليه كان الكتاب يضعون الأحكام على المسرحيات".
لقد نبذ لسنك أيضاً نظام القواعد الصارمة للمسرحية التي تتقيد بقواعد أرسطو، كما أن هذه المسرحيات كانت تعكس المثل والقيم التي تميز بها النظام الإقطاعي الذي كان يمثله لويس الرابع عشر في فرنسا.
ولذلك كافح لسنك الفن والأدب الإقطاعي، وقارن ذلك في مؤلفات شكسبير وديدرو حيث اتخذهما نموذجاً له. كما كافح لسنك من أجل خلق المسرحية التراجيدية (المأساة) التي تمثل الطبقة البرجوازية على عكس المسرحية التراجيدية الفرنسية التي تختار أبطالها من الطبقات العليا فقط وكتب لسنك حول ذلك في القسم الرابع عشر في كتابه: (هامبوركشه دراماتوركي) يقول: "إن أسماء النبلاء التي يحملها الأبطال تستطيع أن تضفي على المسرحية مسحة من العظمة والسمو، إلا أنها لا تستطيع أن تساهم في هز المشاعر.
إن تعاسة هؤلاء الذين تتشابه ظروف تعاستهم معنا ينبغي أن تتغلغل في أعماق نفوسنا، وإذا ما تعاطفنا مع الملوك كبشر مثل الآخرين وليس كملوك، ولكن مهما تعددت حالاتهم وظروفهم فسوف لن تكون مهمة بالنسبة لنا".
ويطرح لسنك في كتابه (هامبوركشه دراماتوركي) آراء عديدة ويتطرق في الفصل 44 و45 و46 إلى مسألة الوحدات الثلاث التي وضعها أرسطو وهي وحدة الزمان، ووحدة المكان، ووحدة الموضوع أو الحدث.
كما أشار لسنك إلى ظهور الأشباح على المسرح كنوع من التغريب كما في إحدى مسرحيات شكسبير.
كما عالج لسنك مفهوم الخوف والشفقة، وكذلك مسألة استخدام الموسيقى في التعبير عن الموضوع، وقد ورد ذلك في الفصل 26 و27.
ويوجد في الكتاب ملحق خاص أشار فيه لسنك إلى قواعد فن التمثيل. كما امتدح لسنك فيه الكاتب والناقد الأدبي الألماني فيلاند. وهو أول من ترجم أعمال شكسبير إلى اللغة الألمانية، وقد أشار لسنك إلى ذلك في الفصل 15، وأشار إلى فن اختيار عنوان المسرحية في الفصل 9، ولم يترك موضوعاً أو مسألة تتعلق بالمسرحية أو الممثل أو فن المسرح إلا وعالجه لسنك في هذا الكتاب.
المسرحية والتاريخ:
عالج لسنك في فصول عديدة من كتابه مسألة العلاقة بين المسرحية والتاريخ، لا سيما في الفصل 11 و19 و23 و24 و32 و89.
وأكد لسنك على أن الكاتب ليس مؤرخاً ولا ينبغي له أن يتمسك بالحقائق التاريخية، كما أنه لا يكتب ما يخمن وقوعه، بل يجعل الأحداث تقع أمام أنظارنا مرة أخرى ليس انطلاقاً من الحقيقة فحسب، بل لهدف آخر أكثر سمواً، فالحقيقة التاريخية ليست هي الهدف، بل وسيلة للوصول إلى الهدف. إنه يريد أن يضللنا، ومن خلال هذا التضليل والإيهام يهز مشاعرنا ويشدنا إلى الحقيقة.
إن الهدف النهائي إذن - كما يقول لسنك- ليس قيام الكاتب بمهمة المؤرخ، بل إيهام المشاهدين وهز مشاعرهم وتحريكها، وكذلك إيقاظ المشاهدين وتطهير عواطفهم ثم تربيتهم.
كما ينبغي على الكاتب أن يجعل من المسرح مدرسة أخلاقية وأن يختار من التاريخ مادة معينة للوصول إلى هذا الهدف، وأن لا يلتزم الكاتب بمعالجة الموضوع بجميع تفاصيله التاريخية دون حذف أو تغيير، كما لا يجوز إجراء تعديلات أو تغييرات في صفات الشخصية التاريخية أو الحدث التاريخي بصورة خاطئة أو معكوسة.
لقد خرق الكتّاب الألمان بعد لسنك هذه الأصول والقوانين بغية المحافظة على الصدق التاريخي لا سيما في شخصية إكمنت (Egmunt) (بطل ثورة التحرير في هولندا في القرن السابع عشر)، وشخصية "عذراء أورليانز" للشاعر شلر، وطالب لسنك الكتّاب بضرورة الالتزام بالحقائق التاريخية إذا كان ذلك يتطلب تصوير أخلاق وملامح معينة، ولا يجوز التصرف بهذه الملامح والصفات كما يشتهي الكاتب.
إن المؤرخ يصور الحالة الخاصة، أما مهمة الكاتب فهي إدراك الشيء المميز العام للظواهر الاجتماعية وتصويرها كما هي.
إن الحقيقة التاريخية ليست هدفه النهائي، بل وسيلة للوصول إلى هدفه، والسبب هو أنه يختار من التاريخ (الفابل) أي (المغزى) كمادة له ويمزجها من هدفه ثم يصورها تصويراً أدبياً.
وإذا ما اختار الكاتب موضوعاً من التاريخ فينبغي عليه إجراء تعديلات على الشيء المهم والضروري لظاهرة معينة، أي يجب عليه إزالة وجهات النظر الاعتباطية التي تبرز على سطح المسار الموضوع التاريخي، ولكن لا يجوز تزوير التاريخ لأن الصفات والملامح والمميزات الخاصة ينبغي أن تبقى مقدسة ومصونة.
قانون الوحدات الثلاث:
أشار لسنك في الرسالة الأدبية السابعة عشرة أثناء مقارنته لمسرحيات شكسبير مع مسرحيات كورنيه قائلاً: "إن الإنجليزي توصل إلى هذه المأساة دائماً وبصورة ظاهرة، واختار طريقه الذاتي، أما الفرنسي، فإنه لم يستطع التوصل إلى ذلك أبداً رغم أنه دخل مباشرة في الطريق المعبد للقدامى".
وأشار لسنك إلى قواعد المسرح الإغريقي (اليوناني) القديم الذي يتقيد بقانون الأحداث الثلاث تقيداً أعمى. وقال: "إن وحدة الموضوع كانت أول قانون درامي للإغريق، وينبغي أن يكون للمسرحية فابل (مغزى) وفكرة رئيسة وهدف، ومن هذا الموضوع تنشأ وحدة المكان ووحدة الزمان. وكان الكورس يقف على خشبة المسرح ويؤدي ذلك في زمان محدد ومكان معين وتدور الأحداث حول موضوع معين" .
انتقد لسنك الفرنسيين لتقيدهم بهذه الوحدات دون تعديل أو نقد، إذ أنهم لم يعتبروا وحدة الموضوع مبدأ مهماً وضرورياً ووقعوا تحت تأثير البلاط الإقطاعي الملكي، وعوضوا عن وحدة الزمان بوحدة الاستمرار. أي أنهم تحاشوا في مسرحياتهم ذكر شروق وغروب الشمس، ولكنهم حافظوا على وحدة المكان حيث اختاروا مكاناً محايداً تجري فيه أحداث الموضوع.
لقد انتقد لسنك بشدة المسرح الفرنسي في جميع كتاباته، واعتمد في نقده على آراء أرسطو الذي اعتبر لسنك آراءه الجمالية نموذجاً شرعياً لذلك العصر، والمضمون التقدمي لفكر البرجوازية الألمانية.
وقال لسنك: "إن الفرنسيين فهموا الإغريق فهماً خاطئاً حيث اعتبروا بالدرجة الأولى المسألة الثانوية شيئاً مهماً وضرورياً، وأدركوا القواعد التي لم تتبلور أهميتها بوضوح إدراكاً خاطئاً، ثم تمسكوا بالقواعد والقوانين التي كانت تعتبر شرعية وملائمة للمسرح اليوناني القديم".
الخوف والشفقة :
عالج لسنك في الرسالة الأدبية 38 و75 و79 و81 و83 هدف التراجيديا (المأساة) لإيقاظ الخوف والشفقة في نفس المشاهد لتطهير العواطف.
وقال لسنك: "ينبغي على المشاهد أن يشعر ويحس مع شخصيات التراجيديا ويتعاطف معهم، وأن يتولد لديه انطباع من أن هذه الشخصيات تعالج قضايانا نحن. ومن هذه العواطف تتولد لدى المشاهد النقاوة والطهر".
وينطلق لسنك في نظريته هذه من آراء أرسطو الذي يعرف المسرحية التراجيدية بما يلي: "إن التراجيديا هي تصوير تقليدي لموضوع كامل وجدي يستطيع أن يتوسع بقدرة معينة بواسطة وسائل مختلفة النغم والكلمات الجميلة. أي تنظم هذا في أجزاء مختلفة في سبيل استخدامها بواسطة القصة المجردة بحيث يستهدف ذلك تطهير النفس البشرية من خلال الخوف والشفقة".
وناقش لسنك الاصطلاح المترجم عن الفرنسية (الشفقة والرعب)، وتوصل إلى أنه لا يجوز وضع الرعب إلى جانب الشفقة التي تثيرها التراجيديا، بل الخوف هو الشفقة بذاتها التي يفهمها المشاهد وتنعكس على نفسه. وبعبارة أخرى، أن المشاهد عندما يندمج مع شخصية الممثل يشعر بالخوف وليس بالرعب من أن نفس مصير هذا البطل على خشبة المسرح قد يصيبه في المستقبل ويشعر بالشفقة عليه، لأنه يحتاج إلى نفس شعور الشفقة فيما لو أصيب هو نفسه بنفس المأساة.
كما ناقش لسنك آراء كورنيه حول مفهوم أرسطو حيث يقول كورنيه "بأنه ليس ضرورياً إيقاظ الأحاسيس من خلال الشخص
نفسه. كما لا يجوز أيضاً دفع الإنسان الطاهر للوقوع بدون ذنب في هوة التعاسة، فلربما يمكن إنقاذه، وقد يحدث أن يكون البطل في التراجيديا مجرد وغد يبعث في نفوس المشاهدين الرعب... "
إن جميع الآراء التي طرحها كورنيه اعتمد فيها على تعاليم أرسطو، ولكن لسنك نبذها لأنها تتنافى مع هدف التراجيديا. وقد وضع لسنك إزاء ذلك الخوف والشفقة في التراجيديا بحيث يصب أحدهما في بوتقة الآخر، ولا يتحول بطل التراجيديا إلى شخص فاضل أو رذيل لأن الحالتين في مثل هذا التصوير اللاواقعي والمبالغ فيه لا يمكنهما إيقاظ وتحريك شعور الخوف والشفقة.
لسنك والاتجاه الواقعي :
إن النوعية الجديدة للمسرحية البرجوازية تتلخص في أنها لا تتميز بوجود تعليمات أخلاقية فيها فحسب، إن الأدب أصبح يستقي المحتوى والشكل من الواقع والأحداث الاجتماعية.
وقد أشار لسنك في معرض نقده لضرورة المحاكاة هي أن الكاتب ينبغي عليه محاكاة الحياة بهدف التربية. إن المحاكاة الأدبية لا تعني قيام الكاتب بتقديم جميع خصائص موضوعه، بل إن هدفه ينبغي أن يتناول كيفية تجسيد الحقيقة الشعرية والأدبية أن يمتلك قابلية الفرز حيث أن الملامح الاعتباطية التي لا تتسم بأية أهمية هي مجرد ملابسات تعكر الانتباه، ولذلك ينبغي على الكاتب أن يجردها من ذلك لكي يفسح المجال لظهور الملامح والتيارات المهمة والحتمية بصورة واضحة ونقية.
كما أن الأمور التافهة تؤدي إلى حرف القارئ والمشاهد على المسألة الرئيسة، لذلك لا يوجد لهذه التوافه أي مكان في الفن.
وفي الرسالة رقم (19) قال لسنك: "أما في المسرح فينبغي علينا أن لا نتعلم ما قام به هذا الشخص أو ذاك، بل ما يقوم به كل شخص معبراً عن حالة اجتماعية أو أخلاقية معينة تحت ظروف ومعطيات معينة" .
ويطرح لسنك في هذا الفصل أساس نظريته الجمالية، ويطالب أيضاً باستخدام علم النفس كهدف للتعاليم الأخلاقية لإقامة المسرح الوطني في ألمانيا. وينسجم رأي لسنك هذا مع تعريف انكلز (1820-1895م) للواقعية الذي ورد في الرسالة الموجهة إلى المسز هاركنس في نيسان (إبريل) عام 1888م حيث قال: "الواقعية حسب رأي- إضافة إلى الصدق في التفاصيل- الصياغة الصادقة لحالات معينة من خلال ظروف معينة".
ويعني إنكلز بذلك الحالة الاجتماعية للإنسان ومنحدره الطبقي الذي يميز أخلاقه وسماته.
إن رأي لسنك ينهض على أساس طبقي يحدده منحدره البرجوازي، لأن البرجوازية ظهرت أيام لسنك في مرحلة ما قبل الثورة البرجوازية كطبقة تنادي وتتبنى المبادئ الإنسانية العامة باسم الإنسانية. ويشير لسنك إلى أن الكاتب لا يجوز له أن يجعل من الحالات الشاذة موضوعاً لمعالجاته الأدبية، بل ينبغي عليه أن يصور الحالة الشاذة أو الاستثنائية، فإنه يصور بلا جدال الطبيعي النادر.
وأدان لسنك تقليد الفكرة وتقمصها وتبنيها من قبل الكاتب. وطالب بدلاً من ذلك بالتمييز الدقيق للشخصية الحيوية الممتلئة بالعاطفة والتي تعكس الصفات العامة الواضحة.
إن لسنك يميز الصفات والملامح العامة عن الصفات والملامح التي تتسم بالبهرجة والمبالغة، والتي ينعكس فيها الشيء الأساسي والجوهري كشيء ثانوي ونموذجي، ففي السمات والصفات العامة تبدو لنا جميع الشخصيات منسجمة بصورة مشتركة، ذات تناسب منسجم.
ويبدو رأي لسنك هنا قريباً إلى المفهوم الحديث عن علم الجمال الذي يعتبر مهمة الكاتب تصوير الصفات النموذجية والمميزة أثناء مراعاة الشخصية.
وأشار لسنك إلى أن الصفات والمميزات الخاصة لبطل المسرحية التراجيدية، تعتبر على جانب كبير من الأهمية. كما اعتبر لسنك المسرحية أعلى شكل من أشكال الشعر لأنها تضع الإنسان في محور الصراع الدرامي.
أشار لسنك بعناية إلى الصفات المأساوية، وطالب أن تكون هذه الصفات عامة وليست صفات هدفها فقط معالجة الملامح والأخلاق السيئة والشريرة أو الجيدة لوحدها.
شكسبير وديدرو:
تطرق في كتابه (هامبوركشه دراماتوركي) إلى شكسبير، وقارن مسرحياته التراجيدية مع المسرحيات الفرنسية، وأشاد بالقابلية الشعرية والأدبية لشكسبير، ولكنه في نفس الوقت حذر من التقليد الأعمى للمسرح الإنجليزي. غير أن لسنك طالب بالاستفادة من مسرح شكسبير لبناء مسرح وطني في ألمانيا.
وكان لسنك معجباً بالكاتب والفيلسوف الفرنسي ديدرو (Dideroit) (1713-1784م) حتى أن لسنك نشر عام 1760م كتاباً عنه بعنوان "مسرح السيد ديدرو".
وكان لسنك يريد تطعيم المسرح الوطني في ألمانيا بمسرحيات ديدرو الاجتماعية. واضطلع لسنك بترجمة مسرحيتي ديدرو (الابن الشرعي) و (رب البيت). وهاتان المسرحيتان تشبهان إلى حد بعيد مسرحية لسنك بعنوان: (مس ساره سمبسون) لا سيما في محتواها الاجتماعي.
وكان ديدرو في فرنسا يتبنى المسرح الوطني الفرنسي الأصيل الذي يعالج المشاكل الاجتماعية.
وكان لسنك وديدرو يناضلان في سبيل تحقيق مثل هذا المسرح في بلديهما. رغم اختلاف وجهات النظر بينهما عن المجتمع. فقد كان ديدرو من أنصار الفلسفة الميكانيكية، وكان لسنك في أواخر أيامه من مؤيدي فلسفة سبينوزا Spinoza (1632-1677م) في عبادة الطبيعة والذي تنهض فلسفته على أن جمال الطبيعة هو من قوة الله العظيمة، وأن قوة الله العظيمة من جمال الطبيعة. وكانت توجد اختلافات في آرائهما حول المسرح وعلم الجمال، فقد أشار لسنك في الفصل (86) من كتابه (هامبوركشه دراماتوركي) إلى نظرية ديدرو وقال: "توجد في الغالب صفات غريبة لا تتعدى أصابع اليدين، ولكن الصفات الغريبة للشخص ليست هي وحدها المطلوب عرضها على المسرح، بل المشكلة الاجتماعية التي يتحدث عنها الممثل" .
ورغم التباين في وجهات النظر بينهما إلا أن ذلك لم يمنع لسنك من اعتبار ديدرو ممثلاً للفكر الفلسفي ومنظراً للمسرح بعد أرسطو.
وطالب لسنك بأن تكون المعالجة الإنسانية محور المسرحية، حيث أن الحياة الإنسانية وحدها تعتبر الموضوع الرئيسي للمعالجة الفنية.
وكافح لسنك ضد استخدام التعابير المنمقة والزخارف اللفظية والأسلوب الخطابي الوعظي، وطالب بتصوير الصفات والأخلاق العامة وإبراز جوهر هذه الصفات في كل موقف بشكل واضح، ثم الالتزام بالصدق في سرد التفاصيل.
ويقترب لسنك بذلك من المفهوم الكلاسيكي عن الواقعية الذي صاغه فيما بعد انكلز. كما طالب لسنك أيضاً بتصوير ومعالجة المسائل المهمة والعامة والتخلي عن الظروف والأحداث الطارئة التي يؤدي تصويرها والتركيز عليها إلى أضعاف انتباه المشاهد والقارئ على حد سواء.
وقد تبنى لسنك قانون الوحدة لفن التمثيل الذي يعتمد على أساس الوحدة بين الجسد والروح، أي مدى اندماج الممثل روحياً وفكرياً مع الدور المسرحي. وقد أصبحت آراء لسنك الأساس الذي اعتمد عليه كتاب مرحلة (العاصفة والاندفاع) في ألمانيا والتي مثلها كوته وشلر ولسنر وهردر.
ولا غرو أن تمنح الثورة الفرنسية عام 1792م وسام الشرف للكاتب، والشاعر الألماني شلر تقديراً لمسرحيته "اللصوص" Die Räuber والتي هاجم فيها الإقطاع في ألمانيا كما ساهمت هذه المسرحية في إنضاج الثورة الفرنسية إلى جانب المؤلفات الأخرى لكتاب أوربا.