لعل خروج مطبوعة جديدة للنور هو إضاءة منارة جديدة تلقي بضوئها في لج متلاطم من الأفكار والمشاعر المتباينة. وحين نصدر هذه المطبوعة ننطلق من مفاهيم أساسية أبرزها قناعتنا بالدور التنويري للثقافة والأدب وقدرتهما على التفاعل مع الواقع العقلي من جهة والمتغيرات التي تفرضها تحولات الزمان والمكان.
إن الثقافة في جوهرها البناء ترفض التعصب وضيق الأفق والاستخفاف بالآخر، وفي ذات الوقت لا تفتتن بهذا الآخر أو تقلل من قيمة الذات ولا تنطلق من مشاعر الدونية.
وتظل الثقافة الحقيقية حلة دائمة من حركة الفكر وتصارعه النبيل والشريف من أجل كل القيم الإنسانية العظيمة التي تدافع عن حرية الفكر وترفض المعنى الثابت والانطلاق والفهم الحرفي في حياة تتلاطم فيها النسبيات ولا مطلق مجرد إلا وجه الله سبحانه وتعالى.
والثقافة حالة من حالات الاجتهاد، اجتهاد العقلاء العارفين، غير المقلدين، الواثقين من أنفسهم ومن الناس المقدرين لجهود السالفين دون غلو أو تعظيم، فما عقمت نساء ولدن في الماضي عظماء أن يلدن اليوم والغد عباقرة، ولقد نعى القرآن على العرب تقليدهم لآبائهم وقولهم: "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون".
وكم أدان الذين لا يستخدمون عقولهم فهم لا يفقهون، ولا يعقلون، ولا يعلمون، فقد تبنى الإسلام العظيم الدعوة إلى تحرير العقل ونبذ الجهل والجاهيلية.
وليس العقل نقيضا للإيمان، فالإسلام يؤمن بالعقل ويدعوه للبحث، ويترك له الحرية في دائرة العلم دون أن يغفل الحاجات الروحية الإيمانية للإنسان التي بدونها يفقد القلب شعوره بالانتماء الإنساني، وصلته الحيوية بالله خالقه ومنظم كونه.
أما الأدب فهو مساحة الخيال الخصب والرحب الذي ينمي إحساس البشر، ويشبع احتياجاتهم الجمالية سواء كمبدعين أو كمتلقين للعمل الأدبي في أشكاله المختلفة. لذلك لا يمكننا أن نحاسب الأدب أو الأديب سوى بمنطق الفن والأدب حيث أن قياس الإبداع الفني والأدبي بأدوات قياس أخرى لا تمت لقواعد الفن والأدب هي مضيعة للعقل وحصار للإمكانات الإبداعية بمنطق مغلوط يزن بمقاييس الطول ويقيس الطرق بالرطل.
إن أقسى ما واجه الضمير الإنساني في أعقاب سقوط الأندلس هو مذابح محاكم التفتيش التي سمحت لنفسها أن تفتش ضمائر البشر ومعتقداتهم، وأن تعبث بخزائن القلوب، وتقيم المحارق ليس لإحراق أجساد البشر بل لحرق البشر باعتبارهم أوعية لأفكار وقيم، ولم يدفع المسلمون وحدهم الثمن بل دفعته البشرية جمعاء، وواجبنا اليوم أن نواجه كل محاكم التفتيش التي يقيمها قضاة لم يقمهم أحد، وأقاموا أنفسهم ليعبثوا بمغاليق القلوب ويدعون قدرتهم على تفسير الكوامن دون أن تكون لديهم الأدوات التي تمكنهم من ذلك.
وآخر دعوانا أن الحمد لله.