قلت إني مجهد، وإني أبحث عن مكان أستريح فيه. قال الرجل:
- أعرف امرأة تؤجر للطلاب شقتها شتاءً وللمصطافين في فصل الصيف والشقة خالية هذه الأيام..
تساءلت:
- وموقعها؟
رد الرجل بسرعة وثقة:
- أمام البحر مباشرة..
كنا في الشتاء، وشوارع المدينة على مرمى البصر خاوية ومصقولة بطبقة شفافة من خلايا المطر، والبحر متداخل في الأفق موح بالسحر ومنطو على الأسرار.
البحر.. والأمواج المتدافعة المتلاطمة.. والريح النظيفة العنيفة التي تأسر النفس التواقة إلى التلاشي.. وضوء النهار ينضوي في الحزن..
ما أبدع الكون وما أتعس البشر..
كنت مجهداً، وأبحث عن مكان أستريح فيه، فأسلمت قيادي للرجل.. ورحت وحدي استحلي سحر الطبيعة الرباني..
*******
ضامرة العود، يعبر وجهها الجاف عن شقاء مزمن، ولكن نبرة صوتها تدل على طيبة وسماحة خلق. حسمت مسألة النقود بكلمة واحدة، ولم أجادلها.. طبعي من الأساس يكره المجادلة.. ولكن شيئاً خافيا ًفي صوتها جعلني أقبل أن أدفع لها المبلغ الذي طلبته.. لعلي أكبرت ذلك الصدق العنيف الذي أطل عليّ من فوق صفحة وجهها وهي تنطق بالرقم المطلوب، ودفعت لها النقود، ومنحت الرجل الذي قادني إليها مكافأته..
بعد أن نظرت في أوراقي سألتني:
- متزوج؟
أجبتها في إجابة تعمدت ألا تفصح عما وراءها:
- أجل..
ولكنها عادت تسأل دون أن تتوقف:
- ولماذا لم تحضر الأولاد معك؟
داريت وجهي مبتعداً به عنها، اضطراباً وقلقاً وبحثاً عن كلمة أرد بها عليها. أسعفتني ذاكرة الحيلة والأكاذيب فقلت لها وأنا أصطنع الانشغال والجد:
- جئت في مأمورية عمل لا زيارة فسحة..
دقت على صدرها، وقالت بلوم لنفسها:
- لا تؤاخذني.. نسيت أننا في الشتاء..
ثم غمغمت:
- دماغي أصابه الخرف..
سحبتني عبارتها تلك من ابتعادي، فالتفت إليها رغماً عني.
رحت أتطلع إليها صامتاً وكأني أبتغي إخراج هذا الشيء الطيب المحوط بالغموض، والذي أطل عليّ من فوق صفحة وجهها أول ما رأيتها..
قد تكون نظرتي تلك المستطلعة المتأنية قد أحرجتها، فقد رأيتها تهرب منها وتقول وكأنها تعتذر:
- مدينتا هذه مظلومة.. يظنونها سيئة في الشتاء بسبب البرد والمطر فلا يأتون إليها للنزهة إلا صيفاً..
ثم عادت وواجهتني بشجاعة كالتحدي وأكملت:
- ولكنهم إن أمعنوا النظر سيعرفون أنها أجمل مدينة في الدنيا صيفاً وشتاءّ..
من خلف حزني الدفين ابتهج قلبي. ابتسمت وقلت لها:
- ليسوا كلهم..
وكأني أربت على كتفها بود وإعزاز، رددت:
- ليسوا كلهم.. صدقيني..
وكنت أقول في نفسي من وراء مظهري الذي لا يخلو من كلفة، أن هناك من يحبون بحر الشتاء المنعم بالسحر، ويعشقون المطر، ويحلمون بالتلاشي وسط عنفوان الريح..
وكأني منحتها إجازة بالإسهاب، إذ اندفعت في صخب فطري تطري جمال مدينتها الساحلية وتهاجم الذين يقللون من شأنها..
استمعت إليها وقتاً طويلاً. تحملتها مثلما يتحمل أب طفلاً بريئا ممتلئاً بالحماس. أخيراً وضعت منقولاتي في المكان الذي حددته لي، وخرجت متعللة ببعض أعذار كاذبة..
خرجت إلى البحر أستودع أسراري وأبحث عنده عن الخلاص..
*******
راقبت الساقي وهو يسعى نحوي متمهلاً وكأنه يزحف..
الحزن في الموانئ متعدد الأشكال: ما بين شجون المنفى وقلق الانتظار. الساقي حزين لأنه لا يكسب المال الذي يكفيه، أما أنا فحزني يشبه هذا البحر المتداخل في الأفق. مر تيار بارد بالقرب من وجهي فهزتني رجفة، ارتعشت. قال الساقي الذي كان قد وصل إليّ:
- الليل يوشك على الدخول.. هل أغلق النافذة؟
شكرته ورفضت، وطلبت قهوة مرة. وقال وهو ينصرف ليحضر لي طلبي:
- ستؤذي صحتك في وسط هذا البرد..
ولم ألتفت إلى ما قال..
بعد قليل وعلى رشفات القهوة المرة، بدأت أتساءل: أهي رغبة دفينة في الموت؟ ما الذي أتى بي إلى هنا حقيقة؟ وما الذي استهدفه، وإلى متى؟
طفح الكيل حقاً فتركت لها البيت والشارع والمدينة.. ولكن أيمكن أن يكون هذا هو العلاج؟
يا له من غروب هبط كالقدر العاتي، والليل يهجم متوغلاً بما يحمل في طياته من أسى ورهبة، وأحس في نفسي لوعة ووحشة. كم من مرة طلبت منها أن تعتدل بمزاجها وتفكيرها.. قلت لها أن الحياة ليست عطراً وملابس غالية الثمن وشقة فخيمة.. الحياة قبل هذا وفوق هذا غايات عظمى وتأمل راق وكفاح نبيل مع صحبة لا غنى عنها. لكنها كانت تقول أني حالم وساذج وتلقي بي وسط زحام من الغربة. كنت أقول أنها تفهم الحداثة فهماً خاطئاً فكانت تلطمني بتهمة التخلف. وكنت أقول لها أن الصداقة مستوى أرقى من الحب لأنها التي تبقى وتبقي على كل شيء، لكنها كانت تعودت السخرية مني. وفي المرة الأخيرة قال أبوها لي: "اصبر عليها، فلا زالت صغيرة." لكن صبري كان قد نفد..
مثل هذا البحر المترامي في العتمة ووراء الأفق تمددت شجوني وذكرياتي. طالت جلستي في المقهى المهجور عند شاطئ البحر وتحت أضوائه الشاحبة وبالقرب من النافذة التي ينفذ منها الصقيع. ومر تيار بارد جديد، أشد قسوة مما سبقه.. هذه المرة ارتعشت حتى أحسست بقلبي يكاد ينخلع..
لملمت نفسي ونهضت. وغادرت المقهى وعدت إلى البيت والمرأة الطيبة الثرثارة. وفي طريق عودتي كنت أقاوم إحساساً متنامياً بالوحشة والهزيمة..
*******
هشت في وجهي حين طالعتني من فرجة الباب، ثم قالت وهي تفسح لي الطريق:
- ما الذي أبقاك في الخارج كل هذا البرد؟
كانت تخاطبني وكأنها تعرفني من سنوات. وكانت قد تلفعت بشال أزرق قديم أضفى عليها جلالاً مبسطاً. شيء ما جعلني أقف أمامها صامتاً في خشوع، وشيء ما في أعماقي أيقظ أمي من سباتها العميق ولم تنتظر إجابتي. وقالت:
- تعال شاهد معي التليفزيون..
أفقت من شرودي، وبحرج قلت لها:
- لا أحب مشاهدة التليفزيون.. شكراً..
ولدهشتي وجدتها تتجه نحو الجهاز وهي تقول:
- معك حق.. ليس فيه سوى الكلام الفارغ..
أطفأت جهاز التليفزيون على عجل، ثم استدارت عائدة وقالت لي:
- سأحضر لك كوب عناب ينعشك قبل النوم..
ورأيتها تندفع نحو المطبخ بخطوات ثابتة قبل أن أعلن قبولي أو اعتذاري. ثم وجدت نفسي وحيداً داخل صالة الشقة الفسيحة، فجلست..
بعد لحظة عادت تحمل كوبين ممتلئين بشراب "العناب" القرمزي يتصاعد منها بخار يشيع الدفء. قالت وهي تناولني أحدهما:
- الوحدة قاسية.. الأولاد رحلوا جميعاً لتمضية إجازة نصف السنة عند أهلهم وتركوني وحدي..
ثم أقسمت بلا مبرر:
- إنني أعاملهم جميعاً كأنهم أولادي وليسوا مجرد مستأجرين عندي.
ومع رشفات "العناب" الساخن فتحت لي صدرها ببساطة متناهية وحكت لي قصتها مع زوجها المدمن على القمار والخمر من لحظة زواجها به حتى طلاقها منه..
- خرّب كل شيء ولو لم أصر على الطلاق ما كان قد بقي لي شيء.. حتى هذه الشقة التي أعيش منها بل حتى اليوم يأتي إلي جائعاً ومفلساً فيأكل ويأخذ ما فيه القسمة وتسمح به الظروف.. الطيبات لله.. أهله أنفسهم لا يطيقونه، ولكن العشرة لا تهون إلا عند ابن الحرام..
- ولماذا لم تتزوجي غيره؟
أشاحت وقالت:
- لا جربت نصيبي.. ولم يعد في العمر ما يستحق..
قلت لنفسي إن الحياة ما تزال مليئة بعناد وصدق وليت المترفون يرون ويفهمون. وزأرت عاصفة من البرق والرعد والمطر خارج البيت..
قلت لزوجتي المتباعدة "تعالي وانظري كيف يعيش البسطاء من الناس ويصمدون وقلت لها: لديك السيارة والشقة الفخمة والمركز الاجتماعي و(دولاب) ملابسك عامر بالملابس والمال يأتيك طيعاً بلا عناء وعمرك ما عانيت الوحدة أو الهجر. فمتى تعين وتفهمين؟"
علا زئير العاصفة في الخارج وتساقط المطر كالسيل. وسمعت المرأة التي لم تتوقف عن الحديث تسألني فجأة:
- في أي شيء شردت؟
انتفضت وقمت واقفاً وأنا أردد:
- لاشيء لا شيء..
واستأذنت متعللاً وقلت لها:
- عفواً.. أنا متعب فقط ومحتاج إلى الراحة..
وتركتها تودعني بكلمات تحية طيبة بريئة ودخلت إلى الحجرة التي خصصتها لي وأغلقت الباب ورائي..
وتعالى صوت العاصفة حتى أحسست أنها ستقلع المكان..
*******
حين أقبل الصباح صفا الجو بصورة باهرة ونثرت الشمس خيوطاً من أشعة محملة بدفء حنون وخلت السماء من الغيوم وبدت ناصعة مثل وجه طفل.. وقفت أتطلع من نافذة الحجرة المفتوحة على مصراعيها إلى كل ذلك الجمال الإلهي الموهوب في السماء، وكان قراري الذي عزمت عليه خلال ساعات الليل يترشح ويعمق..
حزمت متاعي، ووقفت حيناً وسط الحجرة أتأمل المكان الذي أصبح جزءاً متناهي الصغر من تاريخي ولكنه شديد الأهمية وحافل بالفهم والمعنى..
لحظة خروجي من حجرتي شاهدت المرأة الطيبة تدور في صالة البيت، وكأنها كانت تنتظرني.. توقفت أول ما شاهدتني، وتهيأت لتحية الصباح، ولكنها فوجئت ورأيتها تنظر إلي حقيبتي وتسألني في نبرة لا تخلو من بعض القلق:
- إلى أين؟
أجبتها، وأنا أبتسم في وجهها:
- مسافر.. مسافر.. انتهت مأموريتي ولابد من العودة.
تحشرجت الكلمات في حلقها وهي تقول:
- ولكنك لم تقض سوى ليلة واحدة..
- كانت فيها الكفاية.. كنت في حاجة للراحة، وارتحت.
- دفعت إيجار أسبوع كامل.
- تستحقين أزيد منه.
وسرى من حولي وحولها صمت شفيف..
- أراك على خير.
- مع السلامة.. عد مع الأولاد.
وكنت عازما بالفعل على العودة مع زوجتي لأريها كل شيء.