يوجد مقهى على ناصية شارعنا الذي يقع داخل أحد الأحياء الشعبية. طوال حياتي لا أتذكر أنني جلست فيه أو في غيره سوى مرة أو مرتين؛ فليس من هواياتي الجلوس في المقاهي!
كانت الجلسة الأولى مع صديق جاء يزورني في المنزل، وأراد أن يدخن (الشيشة). ذهبنا إلى ذلك المقهى لقربه من المنزل. وعندما جلسنا، تمنيت لو كنت من مرتاديه منذ زمن! فأول ما تشعر به عبق التاريخ! كأنك تجلس بجوار توت عنخ امون.
و(القهوجي) الذي يأتي لك بالمشروبات، واسمه محروس (لا أدري من العين أم من ماذا)، يشبه كهنة المعابد في تصرفاته مع مرتادي المقهى. ومن حولك جدران بها رسوم متقنة إلى حد ما، تشبه النقوش الفرعونية.
فجأة طرق أسماعنا لون من ألوان الغناء الأوبرالي فأعطانا انطباعا بأننا نجلس في مسرح (ألبرت هول)، نستمع إلى أشهر الفرق الأوبرالية في العالم! قلت لنفسي: كل هذا في ذلك المقهى؟ وشعرت لحظتها بالندم لأنني لم أرتد هذا المقهى قبل ذلك.
سحبت كرسيا من كراسي الملك توت، الكراسي الخيزران، وجلست. فوجدت نفسي كالمصاب بدوار البحر. قلت: "يا مسهل! لعلها لعنة الفراعنة." لكن سرعان ما اتضح أن الكرسي يعاني آثار الشيخوخة المبكرة مقارنة مع كرسي الملك توت، الذي يبلغ من العمر ما يقارب خمسة آلاف سنة، وما زال صامدا بكامل عافيته.
قمت بتثبيت أرجل الكرسي داخل الأرض بإحكام، (الأرض كانت ترابية ولم ترصف في ذلك الوقت وحتى الآن!) ونصحت صديقي بعمل الشيء نفسه مع كرسيه، ففعل وهو يضحك، لا أعرف لماذا.
حضر الشاي في (الكاسات) المخصصة له، التي ينفرد بها هذا المقهى عن أي مقهى آخر في العالم. فهي (كاسات) يغسل نصفها العلوي دون السفلي، وكأن هذا النصف محرم الاقتراب منه، لوضع علامات وحدود للنادل الذي يقوم بملئها. وبدراسة سريعة ومتقنة، ونظرة متفحصة، وبعض الحسابات البسيطة، اتضح أنه عند التقاء نهاية الجزء المغسول مع بداية الجزء غير المغسول، يكون الجزء النظيف فارغا، أما الجزء الذي لم يمسسه الصابون منذ زمن فيحوي المشروب. لكنني لست أدري كيف يتم غسل الجزء العلوي دون وصول الماء إلى الجزء السفلي؟ هل الجاذبية الأرضية معكوسة في ذلك المقهى؟ لا أعلم.
حمدت الله أنني لا أدخن (الشيشة)، لكنني ما زلت أعتقد أن تلك التي في مقهانا مميزة عن أية (شيشة) في أي مقهى آخر؛ وذلك لعدم خروج أي دخان منها أثناء الشفط أو النفث. فأنت تدخن هواء نقيا بدلا من دخان غير صحي! وبداخل (الشيشة) أشياء ما زالت على قيد الحياة تسبح في مياه ليس أنقى من التي أصابت العندليب بالبلهارسيا.
حين بدأنا مغادرة المقهى اتضح أن ما كنت أحسبه فريقا أوبراليا لم يكن سوى معركة صوتية فقط، كعادة تلك المنطقة منذ زمن بعيد؛ فالمعارك فقط بالكلام، وإن اشتدت ضراوة فبخلع الملابس. عندئذ عرفت لماذا كان يضحك صديقي!