سماء زرقاء، غيوم فاقعة البياض، كأنها بحيرة جليدية تفكك عنها الجليد، تكثفت سحب في جهة الغرب وهي تكاد تعانق الشمس بعد أن ألبست أشعتها السحب لونا برتقاليا، وقد شارفت على المغيب.
تطايرت الأتربة، وتصاعد الغبار، من الساحة المقابل لسور الحديقة. علت أصوات الصبية من أرجاء الساحة طلبا للكره التي يتقاذفونها بينهم .
ارتفع صوت متجها إلى أعلى: حاضر سوف آتي.
أمسكت بمقبض النافذة الألومنيوم، وأغلقتها بهدوء حتى تلاشت ضوضاء الخارج. أدارت نظرها إلى الكتلة الخشبية المركونة على الجدار، على الجدار، والزخارف والنقوش تزين أطرفها، والقطع الزجاجية تتلألأ بمقدمتها .
وخافها الكم الهائل من الكتب المصفوفة بدقة. اتجهت إليها بخطى متفاوتة، أمسكت بمقبض الباب الزجاجي فتحته بعناية. مررت يدها على الكتب إلى أن وقفت على ذلك الكتاب. أخرجته مسحت غلافه الذي قد تمزقت أطرافه، وتآكل سطحه حتى لا ترى أي كتابة عليه. أرجعها منظره إلى صورة أخيها عندما كان بيده وهو يقرأ على الأسرة وهي تغبطه. هذا الكتاب هو الوحيد الذي تبقي من كتبه التي كان يدرس بها في مراحل دراسته الأولى. أخذت تقلب في صفحاته كأنها تبحث عن عنوان يشدها لقراءته.
أتاها من الخلف صوت ممزوج بضحك: هل تعلمت القراءة يا أمي ؟! ارتسمت ابتسامة على وجهها، أغلقت الكتاب وأعادته إلى مكانه.